السبت، 2 سبتمبر 2023

هوامش في الملل والدوبامين


نعيشُ هذه الأيام أسوء الفترات على مر التاريخ، حيث تنعدم الحياةُ عن الحياة، نفقدُ إحساسنا بالبهجة والمتعة في عالم يعاني من فرط الملل، وأعلى نسب الاكتئاب على مر العصور، رغم التقدم العلميّ والتكنولوجيّ نحن نشعر بسعادةٍ أقل! هل تتصور عزيزي القارئ أنّك كشخصٌ عاديّ مُرَّفه أكثر من إمبراطورٌ من العصور الوسطى! حيث تنعم بماءٍ نظيفٌ، مساكن تقيك برد الشتاءِ، لا تزرع ولا ترعى ما تأكل!

إن الإنسان المعاصر بشكلِه الحاليّ برغم ما نجح في الوصول إليّه من رفاهية الحياة هو أقل حزنًا وأكثر كآبةً وأقلُ إقدامًا على الحياة وذلك لسهولة وصوله للمتعة وفرط إفرازه للدوبامين وهو الهورمون الذي يفرزه جسدك ليعزّز من شعورك بالسعادة!

تخيّل صديقي أن الإنسان الأوّل عندما كان يخرج بحثًا عن صيدٍ ويمضي نهاره كاملًا في العراء كي يصطاد قوت يومه، هذه المعركة وهذا الجهد عندما يتحقق ويرجع بصيده لكهفه ليشوي قوته ويأكله، ساعتها فقط كان جسده يفرز الدوبامين! أما الآن أنت تلتقط هاتفك فحسب لتصلك شطيرة البرجر إلى بابك وقتما شئت وأينما كنت! ليفرز جسمك نفس الهرمون وأنت تستمتع بالشطيرة، هنا المفارقة ولُب المشكلة نحنُ نخسر كل يومٍ حيوتنا نخسر المتعة ونخسر المعنى منها!

ماذا يمكننا أن نفعل؟ بادئً ذي بدء حاول بقدر ما تستطيع أن تعتزل منصات التواصل الاجتماعي فهي لُب المشكلةِ وأساسها! بقدر ما تستطيع قدّر كل شيءٍ من حولك، كوبُ الماء، كوب الشايِ وكوب القهوة، لا تفرط وكن على قدر ما تستطيع ذلك الإنسان الذي يُقدّر النعمة ويرضى!

HEAD ON FIRE by Amr Ismail

******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 18 أغسطس 2023

البحث عن الحقيقة.

الحقيقةُ تتجلّى في لحظة ما، تنبعثُ من بواطن الأمور كصفير أبريقِ شايٍ لحظةُ الغليانِ، لا تظهرُ بفعلها ولا لأنّها تريد أن تظهر وتنجلي، هذا ما يُعلمنا إياه التاريخ والواقع، بل تظهر الحقيقةُ بفعل العوامل والظروف وتتكشف برغبة الناس في إظهارها والنبش في التراب لاكتشافها!

في الفترة الأخيرة وقع الجميع في فخ الانتظار ووهنه لدرجة أن بدأ الناسُ يلومون بعضهم بعضًا على أشياء لم يكن لأحدٍ يدٌ فيها أبدًا، في صراعاتٍ وحروبٍ وهميّة نشأت في الفضاء بفعل المجموعات الضيّقة التي تحكم مصيدةِ التواصل الإجتماعيّ، حتى خف بوقها وصارت هي الأخرى ماسخةٌ كعسلٍ أضافه أحمقٌ على إحدى حباتِ فسيخٍ لكسر الطعم.

الحقيقةُ يا صديقي تتجلى عندما ننضج، نعمل، حين نبحث عن لقمةِ عيشٍ، نعلم أصلُ المشكلةِ ونحاول حلّها، الحقيقة تنكشف حين ننضج لأفعالنا، نزن مشاعرنا، ولا نأمل في أكثر مما يمكن أن نحصل عليه، نتقبل الواقع ونتفهّم حدود الخيال، وندع حدًا للأحلام، ساعتها فقط نستطيع المُضيّ بحياتنا قُدمًا، وأن نلقي برؤوسنا على وسائدنا وننام مطمئنين لأنّ في ذلك نعمةٌ لا يدركها إلّا القليلون.

Truth Beyond Reality Navigating the Map of My Mind By oanarinaldi.

******


أراكم المرة القادمة...

الأحد، 21 أغسطس 2022

تعقيبًا على هوامش العودة.

ترهقني كثيرًا كلماتُ الناس حين أكتبُ شيئًا ويتصوّرون أننّي بكتابتي له أننّي أقتنع به أو أشعر به، أضحكُ دومًا في نفسي وأقولُ هل أنا بارعٌ إلى هذا الحدِ تفاخرًا، ثم أشعر بأنّ ذلك الفهم يضعني حيثُ أكره أن أكون في عقول من يتابعُ ويقرأ. وصدقًا لا أريد الخوضَ في الأقوال والنفوسِ التي ما تفتأ أن تقرأ شيئًا حتى تحاول إسقاط ما يدور في رأسها من أوهام ومشاعر وقناعات على الكلمات التي تخرج منّي أو غيري في هيئة نصوصٍ أدبية شأنها شأن الروايات والقصص القصيرة التي يحبكها الكُتَّاب لتظهر في هيئة حوارٍ أو لحظة ضعفٍ أو خيبة أو حتى فرح.

حين نكتبُ نأخذ ما في خيالنا لنصنع به قصصًا متشابكة بمشاعر أشخاصها الخياليّة وهمومهم، ليس شرطًا أن يكون هؤلاء نحنُ ولا من نحكي عنهم، هؤلاءِ أشخاصٌ خياليّة لا يمتون للواقعِ بصلة وحتى لو كانوا حقيقيّن فغرور الكاتبِ دومًا يدفعهُ ليغيّر سماتها وخصالها وشكلها، ليجعلها محبوبةً خيّرةً تجلبُ التعاطف والتفاعل، أو كذوبةً طالحةً بذيئةً لينفروا عنها، وتلك هي متعة الكتابة، أن ترسم بخيالك خيوطًا لتتشابك وتنسج لوحةً فنيّة؛ فنًا للنسيج والرسم بالكلمات! ولا أقصد بذلك تفاخرًا أو قولًا حسنًا لنفسي أو لغيري، فالبراعةُ هو أن تقرأ النص فتشعر به حقيقيًّا أمامك، يمسكُ ويربتُ على كتفيك في حزنك، أن تقرأ نفسك في الكلماتِ، أو تذكرك بموقفٍ ما سعيد، أو حتى تطوف بك تفاصيلها لتذكّر بحلمٍ محبوسٍ بداخلك، أملًا تنتظرهُ أو حبيبًا ترتقبه... أو ربما لترمق الصفحة شذرًا عن انتهائك لتقول: «إيه القرف والسطحية دي!».


 .Jacques de Gheyn II, Young Man Writing His Name


******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 20 أغسطس 2022

هوامشُ العودة.

سألني أحدُ أصدقائيّ المُقرَبين أين أختفيت؟ أين ذهبت وأين ذهب كلماتُك وتدويناتُك؟، يقول هذه الكلماتِ بحزنٍ بالغٍ وإهتمامٍ لم أره أو أسمعه من أحدٍ منذ زمنٍ بعيد. لم أدرِ حقًا ماذا أقولُ؟ وعَجزَ لساني حقًا عن النطق بأيِّ كلمةٍ، وكأننّي لا أدري فعلًا ما الذي أوقفني عن الكتابة؟ هل شقَّت عليّا الدنيا وأخذتني كما تأخذ غيري إلى غيابات مجهولةٍ وإهتماماتٍ مسمومة، أم شَقْ عليّ القول بأننّي لم أجد هناك داعيًا أن أكتبَ!

والحقيقةُ الواقعةُ هي أن الحياة تسير بنا في منعطفات تصعد بنا لتهوي بنا مجددًا تمامًا كما في أفعوانيّاتِ الملاهي وصالاتُ الألعابُ ولكن ليس بنشوتها التي تحبسُ الأنفاس أو بما تعطيها لنا من سرور وغِبطة، على العكس تمامًا نقف على قدمٍ تهالكت نحاول النهوضَ مُدعين أن هذه هي الحياةُ في ترتيبها ونظمها، تُعلمنا وتُهذّبنا!

إن الهوامش التي نخطها هي تعبيرٌ عما يجول في خواطرنا وحسب، عن تجاربنا وبذور الأفكار التي نحاول إنباتها لكن ماذا تفعلُ الهوامشُ في قلبٍ حزينٍ مُرهقٍ أو لا يكترث؟! أي بذرةٍ تلك التي يحاولُ أن يغرسها في وعيِ من يقرأها؟! لا، بل هي عبثٌ مُستترٌ؛ خيالاتٌ ساذجة لشخصٍ آخر يراقبُ الشروق عند تلة وهو يحتسي قهوته التركيّة السادة فيضربه طعمها المرُ ضربًا يوقظهُ في كل رشفةٍ، فيتملّل ويحاول أن يسكبها فيتذكرُ أنّه يحتاجها، ليحل شعاع الشروقِ الأول مارًا بكل شيءٍ حوله إلا هُو، تمرُ شمس اليوم الجديدِ على كل شيءٍ تقريبًا إلا هو، يراقبها فحسب عالقًا في مستنقعاتِ وهمه وآماله.


By: Alexander_Spline.

******
*نص أدبي.

أراكم المرة القادمة...

السبت، 11 يونيو 2022

الأبله الأنانيّ

في بعض الأحيان يدفعنا القدر لفعل أشنع الأشياء أو ربما قولُ أقبح الأشياء لهؤلاء الذين لم يؤذونا قط، نفعلُ ذلك بدون أسى وبدون أدنى تفكيرٍ، نفعلُ ذ لك فحسب لننتصر أو ربما لإشباع غريزتنا في تذوّق طعم الانتصار فقط.

لكن لماذا قد يفعل البشر ذلك؟! التضحيّةُ بكل شيءٍ فقط لإعلاءِ الذاتِ ولو على حساب الآخرين، في هذه الدنيا حياةُ الآخرين ليست بمهمة فقط حياةُ من نعرفهم ومن نحبهم! لماذا؟!

سأخبرك لماذا؟ لأنّنا كبشرٍ مجبولون على الوعيِّ والمعاناةِ، لكنّنا نعي من منظورنا الشخصيِّ فكلنَّا أبطالُ حيواتنا بالضبط نعي كما في ألعاب الفيديو “FPS” - "منظور الشخص الأول" حيث نعلبُ اللعبة أو بالأحرى نعيشُ قصةَ حياتنا والعالم من حولنا يدور عنّا وحسب كل فعلٍ يؤثرُ علينا ونؤثر عليّه سواءًا حين ننتصرُ أو حين نخسر مع الفارق في أنّه حين نخسر في اللعبة نستطيع تكرار المحاولةِ، أما في هذه الحياةِ لا نستطيعُ، وندرك بأن حياتنا هي الأسمى وهي التي تستحقُ دونًا عن الآخرين، فالآخرين هم دومًا الأضرارُ الجانبيّة، فسعادتنا هي المهمةُ في هذا العالم، نجاحنا، فرصتنا للتألقِ، نحنُ لا نأبه لأي أحدٍ سوى من نحبُ. لا نعطي أحدًا الفرصةَ أبدًا؛ لا نهنئ أو نساعدَ إلّا مشهورًا لا يحتاجُ تهنئتنا، لا نفعل ذلك لمن يستحقُ لإرضاءِ غرورنا... عالقون نحنُ في منظور الشخص الأول نضيفُ أوهامًا فوق أوهامٍ برغبةٍ أنانيّة في الفوز والانتصار والنجاح! لكن أي نجاحٍ ذلك! أي فوزٍ ذلك، أذلك الفوز الذي يضعنا في المقدمة فحسب! ربما أصبحَ العالمُ مكانًا أنانيًّا لا يعني فيه غير ذلك! أنسانوي لأبعد الحدود وحيدًا أبلهًا أنانيّا يعيشُ ويتغذى على الزانكس، عنّا وعما هو يفيدنا نحن فحسب!

لكنّنا نحتاجُ الآخرين... نحتاجُ بعضنا بعضًا وستدور الأيامُ لندرك أنّنا مجبولون على بعضنا البعض، أن نعيش سويًّا شعوبًا وقبائل! تمامًا كما فعل الإنسانُ الأول!

"لو أنّك أحببتَ وعشت حبًا...
لن تكون أبدًا وحيدًا!
لو أنّك أحببتَ وعِشت حبًا
سيكون لديك ملاذًا على الدوام!"


Dark by Layers.


******


أراكم المرة القادمة...