‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أفكار. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 فبراير 2024

«مانيفيستو» بدون حروف

سيحينُ الوقت، لأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، أو من حيث انتهينا نحنُ، رافعينَ رؤوسًا لا تنحني، وبوجوهٍ آمله تستنشقُ نسيم الحريةٌ وتأبى زفيرهُ أبدًا.

من نحنُ وإلى أين سننتهي؟ سؤالٌ أبديٌّ وسرياليٌّ كأعجوبةِ الخلقِ والكونِ... نحنُ الحطامُ الذي لا يُمكن إعادةُ تدويرهُ، نحنُ الضررُ الجانبيُّ في الحربِ والسلمِ، نحنُ نسمةٌ في تعدادٍ تائهٍ بلا سببٍ وبلا أي وجهةٍ وبلا أي تقديرٍ، نسيرُ في تيهٍ وظلامٍ لا يتبعه أي بارقةٍ أملٍ أو نورٍ، مساءٌ لا ينتهي بنهارٍ، نتخبطٌ فلا وجودَ لأيِّ نظام.

هل نحن السببُ أم المُسبِّب؟ هل نحنُ الرصاصةُ في الانطلاق أم نحنُ إصبعِ مُطلقها، أم نحنُ الصدأٌ الذي يجعلُ الرصاصةُ تَعلقُ كل مرة لحظة الانطلاق؟ أم أنحنُ الإجابةُ لهذا السؤالِ وكل تلكَ الأسئلة؟

والحقيقةُ يا صديقي ببساطةٍ أننّا من تستغرقنا التعاريفُ والأسئلة بدلًا عن البحث عن الإجابة؟ نحنُ هؤلاء الذين لا يعرفون ماذا يريدون، ولا يفعلون شيئًا لكي يعرفوا... نحنُ يا صديقي «مانيفيستو» بدون حروف، بيانٌ بدون قائدٍ ولا جمهور، إرادةٌ بدون بشرٍ، وأملٌ بلا أي مستقبلٍ.


Photomontage by Raoul Hausmann

******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 5 يناير 2024

تسارع العالم الجديد

سيحينُ الوقت دائمًا لنراجع قراراتنا، لنجلس ونُفَّكر ونتناقشُ مع أنفسنا أولًا في وسطِ تيهٍ لسنا عالقين بهِ وحدنا نحن بل سادَ العالمَ كُلَّه في وسط تسارع العالمِ الرهيبِ الذي صار للإنسانِ فيه ليس سوى فخٌ ومِصيدة!

نعيش الآن في حقبة غيرُ مفهومةٍ وغير معقولةِ يتساوى فيها الممكنُ والمستحيلُ يتساوى فيها الحقُ والباطل، نكذبُ ونُكذِّب المنطق أحيانًا حتى نكون صوابيِّن نحنُ ندرك الحقيقة تمامًا ومع ذلك لا نجهر بها خوفًا من سلطةٍ ومفاهيمَ صنعناها بأيدينا نحن، صنعنا الأغلال لنتقيّد بها ونقيّدُ بها الآخرين حتى صارت المزحة التي كنّا نسخر منها ونحنً صغارًا حقيقةً كيف لكفَّار قريشٍ أن يصنعوا صنم عجوةٍ وحين يجوعون يأكلونها!

نحنُ نتطرَّفُ كل يومٍ في أفكارنا... ليس رغبةً منَّا في التطرف في حدِ ذاته ولكن لأن هذا أصبح سمةَ العصرِ والوسم الدارج، هذا العصر سمته "التسامحُ والإنسانية" فنحنُ نتطرف ونغالي في نصرة أي أقليةٍ من أي نوعٍ -جزءٌ صحيح- ولكن في نفسِ الوقتِ لا نهاجمهُ ونعفيه من أي مسؤوليةٍ بل ونذهبُ لنقدِّسه ونجعله غير قادر على الخطأ في الأساس... نتطرف مزايدةً وغلوًا في كل شيءٍ حتى أصبحتَ لا تجرأ على قولِ مفاهيمٍ بسيطة كالسمنةِ بل تذهب لأقصى الحدود بحثًا عن مسمياتِ أخرى أكثر "لُطفًا" كـ"ممتلئٌ (جميلٌ.. رائعٌ... واثق)!".

لا أفهم حقيقةً سر ذلك ربما النيةُ هي عدم التنمر لكن الوضع أصبح بأننا لا نستطيع حتى تسمية الحقيقة من الخيال، ربما هو تطرفٌ غير طبيعيٍّ للأفكار وربما في المستقبل سنحذو حذو (جورج أورويل) في رواية 1984 ونلغي أي كلمةِ تسببُ حزنًا لأي شخصٍ فيصبح معجمنا لا يحمل كلماتٍ مثل (حرب، عاصفة، حزن، سوء كرب، هم، فقر) أو ربما (أصلعًا، سمينًا، نحيفًا)!

أو ربما نستيقظ و "يحينُ الوقت دائمًا لنراجع قراراتنا، لنجلس ونُفَّكر ونتناقشُ مع أنفسنا أولًا في وسطِ تيهٍ لسنا عالقين بهِ وحدنا نحن بل سادَ العالمَ كُلَّه في وسط تسارع العالمِ الرهيبِ الذي صار للإنسانِ فيه ليس سوى فخٌ ومِصيدة!"


Brave New World 07 - Ian Young

******


أراكم المرة القادمة...

الأحد، 21 أغسطس 2022

تعقيبًا على هوامش العودة.

ترهقني كثيرًا كلماتُ الناس حين أكتبُ شيئًا ويتصوّرون أننّي بكتابتي له أننّي أقتنع به أو أشعر به، أضحكُ دومًا في نفسي وأقولُ هل أنا بارعٌ إلى هذا الحدِ تفاخرًا، ثم أشعر بأنّ ذلك الفهم يضعني حيثُ أكره أن أكون في عقول من يتابعُ ويقرأ. وصدقًا لا أريد الخوضَ في الأقوال والنفوسِ التي ما تفتأ أن تقرأ شيئًا حتى تحاول إسقاط ما يدور في رأسها من أوهام ومشاعر وقناعات على الكلمات التي تخرج منّي أو غيري في هيئة نصوصٍ أدبية شأنها شأن الروايات والقصص القصيرة التي يحبكها الكُتَّاب لتظهر في هيئة حوارٍ أو لحظة ضعفٍ أو خيبة أو حتى فرح.

حين نكتبُ نأخذ ما في خيالنا لنصنع به قصصًا متشابكة بمشاعر أشخاصها الخياليّة وهمومهم، ليس شرطًا أن يكون هؤلاء نحنُ ولا من نحكي عنهم، هؤلاءِ أشخاصٌ خياليّة لا يمتون للواقعِ بصلة وحتى لو كانوا حقيقيّن فغرور الكاتبِ دومًا يدفعهُ ليغيّر سماتها وخصالها وشكلها، ليجعلها محبوبةً خيّرةً تجلبُ التعاطف والتفاعل، أو كذوبةً طالحةً بذيئةً لينفروا عنها، وتلك هي متعة الكتابة، أن ترسم بخيالك خيوطًا لتتشابك وتنسج لوحةً فنيّة؛ فنًا للنسيج والرسم بالكلمات! ولا أقصد بذلك تفاخرًا أو قولًا حسنًا لنفسي أو لغيري، فالبراعةُ هو أن تقرأ النص فتشعر به حقيقيًّا أمامك، يمسكُ ويربتُ على كتفيك في حزنك، أن تقرأ نفسك في الكلماتِ، أو تذكرك بموقفٍ ما سعيد، أو حتى تطوف بك تفاصيلها لتذكّر بحلمٍ محبوسٍ بداخلك، أملًا تنتظرهُ أو حبيبًا ترتقبه... أو ربما لترمق الصفحة شذرًا عن انتهائك لتقول: «إيه القرف والسطحية دي!».


 .Jacques de Gheyn II, Young Man Writing His Name


******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 3 أبريل 2021

أحزانُ العالم الجديد الناقم!

حزينٌ هو هذا الكوكبُ، حزينٌ في إبتكاره للقيودِ التي يصنعها لنفسه، بائسٌ لأنّه لا يرى إلّا نفسه، نرسيسٌ في نفسه، لا يرى المجتمع بصورته الكاملةِ قبل رسمه لخيالاته وقوله لرأيّه! أسيرٌ هو لرغبته الدفينة في رؤيته لنفسه، ينظرُ للمواقفِ التي يراها بقناعةِ أنّه البطل، يستلُ سيفه ويخرج هاتفه الذكيِّ فيخرجُ لنا لا شيءَ سوى صورته في المرآة!

إنّ لأشد ما يُميّزُ هذا الجيلَ هو رغبته في التميّزِ، تعلِّقه بالشعارات واندماجهُ في المجموعاتِ، رغبته في الصراعِ وتسيِّد المشهد، ولأن الشباب دائمًا وأبدًا سيمتهُ التمرد، التمرد على القيودِ وأفكار سابقيه، نراه يحوم في مواقع التواصل الإجتماعيِّ، تارةً مصلحٌ إجتماعيِّ، وتارةٌ أخرى عنصريّ! ولأننّا في زمن عبقريِّ لا أحد فينا بريءٌ من العنصرية! لأن العنصرية في زمننا هي الوصمةُ التي نصم بها أو نريد أن يصمنا أخصامنا ومعارضينا بها لنشرد به وننكل به! تطوَّرت من تمييز على أساس اللون والديانةِ والجنس، فأصبحت عنصريًّا لو فتحتَ الباب وقدَّمت سيدة أمامك في المصعد! أصبحت عنصريًّا لو أصدرت فكاهةً تسخر من أيِّ شيء! تصبحُ السيدةُ عنصرية اليوم إن قالت أنّها تريد أن تُربي أطفالها وربما تُنعتُ بالذكوريِّة!

كلنّا نسعى للحرية والمساواة وأن ينالُ كلٌ منا حقه! أن تصبح الفتياتُ والفتيانُ أحرارًا في إختياراتهم! لكننا في رغبتنا تلك فقدنا تقديرنا للبشر من حولنا، فقدت السيدات تقدير والدتها وما جابهته من مصاعب في التربية! تُلام على قراراتها! تُلامُ على ودها إختياراتها في الحياة! بدعوى أنّها كانت ضحية مجتمعٍ ذكوريٍّ!

فقدنا تقديرنا للسيدات التي تعمل منذ التسعينات، وتعول أسرها وتهتمُ لبيتها وتربي أطفالها! ليصبح تكوينُ أسرة وعدم العمل – إختيارًا وصمة عار –


أصبحنا لا نرى إلّا السيء في كل المجتمع فأصبحنا ناقمين عليّه، نلومُ غضبُ أبٍ وعصبيةٍ نجهلها لكن الوالدةُ تتفهمها لأننا لا نرى المصاعب التي يواجهها في العمل! وأيضًا لا نرى المجتمع في جمالهِ في وقت المصاعب!

عاملُ يوميّة أجره اليومية 120 جنيًا يُفطر ويتناول غداءًا ب30 جنيها ليرسل المتبقي لأسرته، أبٌ يخرج قبل موعده بساعةٍ ليوصل أبنه للمدرسة ثم يذهب لعمله يختار أن لا يُفطر ليضع مال إفطاره في يد إبنه ليشتري حلوى!

أمٌ تستيقظ كل يومٍ لتوقظ الجميع وتحضر إفطار الجميع، ثم تذهب أيضًا لعملها، تختارُ أن يتم خصم نصف يومٍ كي تذهب مبكرًا قبل وصول أطفالها من المدرسةِ لنحضر لهم غدائهم!

وأطفالٌ وشبابٌ بإمتيازات ناقمون لا يعلمون ما يفعله والديهم وما يحدث لهم في العمل وكم الإهانات التي يتعرضون لها! ليثورا عليهم بأنّهم نتاج مجتمعٍ ذكوريّ ينهشُ أفكارهم! لكن في الحقيقة هم ضحيةٌ كما أنتم ضحايا لكن أنتم ضحايا بامتيازاتٍ حارب هؤلاء من أجلها ووصولوا لها من أجلكم! لكن الحياةَ لا تعطي كل شيءٍ! تتحزبون وتعتقدون أنكم مقهورين وأن العالم بأجمعه ضدكم ولكن يومًا ما ستعلمون بأن الحياة ليست كذلك وأن هناك سبب لكل ذلك وهو تضحياتٌ بريئةٌ في أصلها، وستتفهمون أنَّنا كلنا مُحافظون حين يتعلق الأمر بمن نحب! وأن الحريّة الحقيقيّة هي حريّة الفرص، وليست حريّة النتائج! 

DEAN & JAMES - THE ILLUSION OF FREEDOM, 2020


******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 3 أبريل 2020

ألحانٌ على وتر الكورونا.

سألني صديقٌ «متى ينتهي بنا الحال؟ متى نلحقُ بأقدارنا؟»، فلذتُ بالصمت لبرهةٍ وقلت: «لا أعلم!»، لا أدري ما الذي دفعني لأقول هذه الجملة وأنا أعلمُ الإجابةَ الحقيقيّة.

الحقيقةُ الواقعة أصدقائي أنّ لا أحدَ يتصور ولو لوهلةٍ أن القدر سيختارهُ هو! نتسم بالكبِر والتعالي حين يتعلق الأمرُ بنا، لأنّنا نتصور أنّنا متميزونَ، أن الله يُحبنا نحنُ دون خلقهِ، أن الموت سيختار الآخرين ولن يطرقَ بابنا، سيختار بابَ الجيرانِ لأننا نحنُ! نحنُ هؤلاء الذين نَهُمُ، نحن هؤلاء التي أحلامنا ستتحققُّ، نحنُ الوحيدون في هذا الكوكب من نستحقُ الحياة، نحنُ ومن نُحب فقط لا غير.

عقلنا الصغير لا يتحملُ فكرة أنّه واحد فحسب من بين سبعةِ مليارات ونصفِ، أنّه لا يساوي شيئًا من بين هؤلاءِ، أنه أيضًا هناك سبعةُ ملياراتٍ ونصف لديهم حيواتٍ وأحلامٌ وطموحاتٌ يظنون أيضًا نفس الظنِ أن القدرَ بجانبهم وأن العالم يدورُ حولهم وفقط، أن الأحداثَ والأقدار حين تحدثُ... تحدثُ من أجلهم، أنّ العالم يجبُ أن يتوقفَ بموتهم أو بالظلمِ الذي يتعرضونُ له، لكن الحقيقةَ المريرة أن العالم سيجري ويدور وستتوالى الأحداثُ وسيجدُ طريقةً لأن يستمر كما أستمر لملاين السنين.

الحياةُ يا صاحبي ليست من أجلكِ، الحياةُ فيلمٌ كبيرٌ يتسّمُ بالواقعيّةِ التي تهربُ منها لتشاهد بدلًا عنّها الخيال العلميّ وأفلام الكارتون... الحياةُ يا صديقي لا يوجدُ فيها البطل الخارق الذي لا يموت... الحياةُ يا عزيزي هي تُحفةٌ فنيّةٌ بحتة تصيبك فيها السعادة والحزنُ والمرض والعافيّة، حتى تفهم معناها، تلك هي حياتي وحياتُك... نحظى بفرصةٍ لنحيى ثم يحين وقتنا فلا تنتهي ولكن لتبدأ حياةُ أخرى... فرصةٌ أخرى لن نعرفها أبدًا. 

.Camouflage by Alice Wellinger

*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 14 مارس 2020

هوامشٌ على دفاتر العاصفة

في مثل تلك الأوقاتِ العصيبة دائمًا ما نتذكر أننا بشرًا، تتلاشى الطبقاتُ عندما تتحدثُ الطبيعةُ لغتها، نصبحُ بكلِ جبروتنا العلميّ والتكنولوجيِّ رجالَ ونساء كهف في هذه المعركةُ.

ننشدُ ضوء الشمسِ كعُبَّادٍ قدامى على تلةٍ، ننشرُ ذعرنا الكامنُ في نفوسنا على حدٍ سواء، أغنياءًا كنّا أو فقراءٍ؛ نبحثُ عن الماءِ والطعامِ ونبقيهِ نصب أعيننا خوفًا على أنفسنا وعائلاتنا تمامًا كما كان أجدادنا يفعل.

الحقيقةُ بأننا بكل ما فعلنا وحققنا مازالت الطبيعة وغضبها ترهبنا، مازال حلمنا في تذليل الطبيعةِ وترويضها حلمًا بعيد المنال يتلاشى أمام أعيننا يومًا تلو الآخر... 

وعلى الرغم من كل ذلك، على الرغم من وهننا وضعفنا وقلةَ حيلتنا لا نملك سوى أن نكون شاكرين على قوتنا وجلدنا في تحملنا لمثل هذه الظروف العصيبة. على قدرتنا العجيبةِ على المضيَّ في سلام بأقل الخسائر الممكنة، أننا نستطيع رغمًا عن كل شيء أن ننام في راحة بالٍ غير عابئين بالمستقبل وما يحمله لنا؛ لأننا نؤمن بنا وبقدرتنا على المواصلة... ننفض عنّا لباس السوء والضعف والمِحن وننطلقُ لنواصل من جديد. صفحةً أخرى جديدة... يومًا آخر من المثابرة والعمل الجاد... حتى النهاية.


.Christoffer Relander - Man And Nature


*****

أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

سنرحل قبل الفجر.

إنَّ لأشَّد ما يؤلمنا في هذه الحياةِ، ليسَ مُر حيواتِنا، بل افتقادنا للمعنى فيها، افتقارنا لأن نعرف حتى أنفسنا، نضيعُ وسط تسارعِ الكونِ حولنا، يومًا تلو الآخر حتى نكتشف فجأةً أنّنا لا نعرف حتى أنفسنا، نكتشفُ فجأة أن القطار قد فاتنا، أنّنا كبرنا، وشابَ الشعرُ شيبةً، بل وشابَ معه كل شيءٍ حتى أجسادنا صارت مريضةً ولا تقوى حتى على حملنا.

لكنّنا مُتعبون فحسب، متعبون في مطاردة أحلامنا؛ أحلامنا حتى البسيطةُ منها إكتشفنا أنها ليست ببسيطةٍ على الأطلاق، أحلامٌ حين تحسبها رياضيًّا تكتشفُ أنّها تساوي كثيرًا، لكنك تحلمُ على أملٍ بأنّك تستطيع، وببعضِ قفزاتٍ من الحظ والإيمانِ يصلُ البعضُ، يصلون ولكنهم يضحّوا من أجل ذلك بأشياءٍ أغلى وأنفس، يدفعون في سبيل أحلامهم الغربة ثمنًا.

هذهِ هي الحياةُ التي نعيشها بحلوها ومرها، حياةٌ يزينها رجالُ ديننا الشرفاء بالصبرِ والاحتسابِ والأجر ويجمّلها مدربي تنميّة الخرافاتِ بالأساطيرِ حتى تستمر الحياة وتدورُ العجلة، وربما يكون ذلكَ حلًا منطقيًّا فالحلُ الآخرُ هو ثورةٌ يثور فيها هذا الشعبُ المُتعبَ على أوضاعهم. وساعتها لن يكون لكلامهم قيمةً وسينكشفون بأنهم لا أكثر ولا أقلَّ من نصَّابينِ، لاعقي أحذيةٍ.

سألني صديقٌ: «متى وصل بنا الحال لهذا الدرجة؟ شبابٌ ينتحرون بهذهِ البساطة»، قلت: ربما همُ الصوابُ ونحنُ الخطأ بشتى صورة، ربما تكون هذه أشدَّ الأفعالِ اعتراضًا على الواقع، هؤلاءِ بضعفهم هم شهداءُ المعركة وسلاحُ تغييرها، جعل الناسِ يفكرون في معاناةِ واكتئاب أصدقاءهم، أن يربت كل أبٍ وكل أمٍ على أكتافِ أولادهمِ ويقولون لهم أن لا بأس.

يعطوهم الفرصة أخيرًا مراتٍ ومراتٍ، ويتحدث ويجتمعُ الأصدقاءُ القدامى مع أصدقائهم يتحاورون ويتسامرون ولا يرحلون إلّا قبل الفجر ويعم السلام على قلبٍ واحدٍ فقطٍ كان وحيدًا فأصبح له صديقًا يداوي وحدته. بعيدًا عن مزايداتٍ مواقع التواصلِ الاجتماعيِّ وصخبها المؤذي الذي لا يقدِّمُ ولا يؤَّخر.


Bryan Charnley - "The Self Portrait Series".

*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 3 نوفمبر 2018

نظرية الطاسة.

مصر هي طاسةٌ كبيرة، تحملنا جميعًا، تقلينا قليًا جيدًا على نارٍ هادئةٍ فننضجُ وتفوحُ رائحتنا فتقدمنا لعائلتها وتتركُ الباقي ليحترقُ احتراقًا، هذا الإحتراقُ يضفي مذاقًا خاصًا على الوجبة التاليّة، نَفسُ المنزل كما يُقال لذلك يسمونه المطبخ السياسيّ، ففيه تُحدد المقادير ونسبتها، فيها يتمُ إختيارُ الشيفِ ونفسه، لذلك تختلفُ الأنفاسُ باختلاف المطبخِ السياسيّ.

فمثلًا أيامُ مبارك كان هناكَ نفسٌ قويٌّ متمرسُ مليءٌ بالهيلِ (الحبهان) فلا نكهةً تعلو فوق نكهتهِ، وتبعه الإخوان بالزنجبيل فبعضُ الزنجبيل يعد مفيدًا إلّا أنّه وكعادة المبتدئ الهاوي أسرفَ في استخدامه وكعادة الطباخين فإنّه يجب على الطباخ أن يتذوّق طبخته، في حالة مبارك ومع تكرار الطبخة وتضائل الاحتمالات تذوق النظام حبةَ الهيلِ وابتلعها، وأما مرسينا فكما تعلمون أن كثرة الزنجبيلِ تسببَ أمراض القلبِ والجهازِ العصبي فلم تحتمل الطبخةُ ذلك أيضًا.

ثم أتى عصرُ الإسبايسي بنكهاته الحارقةِ، والأكثر حرقةً عند هضمها وخروجها، حتى فقد الجميع القدرة على العيشِ بسبب آلام المعدة الحارقةِ وحتى لم يبقى لأحدٍ القدرة على الاعتراض على الحرقةِ هذهِ بسببِ أنهم يعانون من اسهالٍ شديدٍ يستلزم البقاء في المنزلِ حيث يكمنُ الأمانُ في دورة المياه، وهناكَ من الحالاتِ المتأخرةِ من ركنَ إلى الحفاضاتِ لأنّه فقد القدرة على النهوضِ أصلًا فتقبّل الواقع المُسِهل وتعود على الرائحة.

لكن هذا ليس كل شيء للأسف، فللطاسةِ نظريةٌ أيضًا أحبُ أن اسمّيها نظريّة الطاسة، حيث تتعقدُ الأمورُ أكثر من كوننا مكونٌ في الطاسة، يُصبح لكل مكونٍ طاسةٌ أيضًا، نعم لكلٍ منا طاسةٌ ومختلفة في مادتها بعضها سام كالنحاس هؤلاءِ لا أمل في طاستهم، فحتى لو تم ملئها بكل تقدميّة وديموقراطيّة سيسممونها بسمومهم، وآخرون من الستانلستيل هؤلاء يتشكلون كما يطلبُ الشيف ويتغيرون بتغير الشيف ونكهاته، وينبذون ما قبله ويخلعون عباءته في لحظاتٍ وفي غمضة عين.

ومنهم من أذهبَ الوضعُ طاسته، فراحَ يُعمِّرها، فلا شيف ولا هيلٍ ولا زنجبيل، فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ سوى ملكوتها الموقت، لتعود إليه كما الآخرين بتعاقبُ الأزمان.


فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ...

*****

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 4 أبريل 2018

في رثاءِ أحمد خالد توفيق

اليوم شُيعت جنازةُ كاتبٌ من أكثر الكتابِ تأثيرًا في جيل من الأجيال وعى على سلاسل مختلفة من الكُتب في زمنِ لم يكنْ فيه الكثيرُ من المتع، زمنٌ آخرَ غير الزمن، زمنُ القناةِ الثانيةِ والأولى وبرنامجُ الفنِ السابع، وعىَ هذا الجيلُ على مُتعٍ ضئيلةٍ ولكنها كانت ذاتَ مذاقٍ آخر، كإصداراتِ مجلة ميكي، وربما بعضًا من التان تان والفلاش من بين هذا ظهرت سلاسل أحمد خالد توفيق المختلفة بغموضها كما في الماورائيات، وبتشويقها كما في فانتازيا، نمى هذا الجيل على تلك السلاسلِ في مجتمعه المحافظَ بينما كانَ صوتُ التديُّن الوسطيِّ يعلو صوته في الأرجاءِ بظهورِ إقرأ وزياعِ صيتِ عمرو خالد.

كانت سلاسلُ أحمد خالد توفيق توافق هذا الأتموسفير في صمتٍ، تلعبُ على أوتاره بهدوءِ عازف كمانٍ في آخر مقطوعة موسيقيّة، لا سياسة، ولا تنوير فقط تشويقٌ قصصيّ يلعبُ دوره رفعت ببراعته المعهودة، يختفي دورُ النساءِ تقريبًا ويعلوا صوت "مكانكنّ المطبخ" بصراحةٍ وبلا أدنى خجلٍ ليتوافقَ مع المجتمعِ في آراءه.

كبُرَ هذا الجيل وكبُر أحمد خالد توفيق ونضجَ، وربما يظهر ذلك جليًّا في كتاباته المتأخرة مثل السنجةِ ويوتوبيا ولكن كان الأوانُ قد فاتَ. هذا الجيلُ هجى عرابهُ في السنجةِ هجاء العدو، لأنّه لم يتقبّل الوهمَ الذي كُوِّنَ في مُخيّلته نتاجَ شيءٍ لم يكن لأحمد خالد توفيق فيه دخلٌ وإنّما أحبّه الشبابُ لأنّه لم يهجوا أصنامهم، أدبهم النظيفُ وسينماهم العفيفة، عن غير قصدٍ ربّي أحمد خالد توفيق قراءه على الكلماتِ المتحفظة الوسطية "الكيوت"، فوجد قراءه هذا مناسبًا تمامًا للأفكار التي تربوا عليّها، ليصبح الأدبَ النظيف الغير مكتمل المسلوبَ المشاعر والأحاسيس هو الأدب الأمثل.

أحمد خالد ليسَ له ذنبٌ رغمًا عن ذلك في هذا الجيل وهؤلاءِ القراءِ السطحيين الذين اختزلوا الأدب في صورهم في صور المثاليّة والأخلاقيّة المبتذلة، أحمد خالد توفيق وقع في فخ وأراد أن يُحرر قراءه من تلك الصورة الطفوليّة للأدب، فأخرجَ لنا السنجة التي كشفت لنا أنّه يريد أنّ ينضج بقرّائه، وكذلك يوتوبيا...

أحمد خالد توفيق أديبٌ رائعٌ ظهر في زمنٍ غير مناسبٍ فحسب وفي قراءٍ غير ناضجين لم يتقبلوا شخصه الحقيقيّ ورغبته الحقيقيّة في إنتاج أدبٍ حقيقيّ ليرحل كأي مظلومٍ لم يسعفه الوقت في نفض سترةِ رفعت إسماعيل والإتيانِ بيوتوبيا جديدة أدبٌ يعبّر عن قدراته الأدبيّة وإحساسهُ وسرده وخياله الذي لطالما أذهلنا.

وداعًا أحمد خالد توفيق، وداعًا أيها الأديبُ المظلوم!

1962-2018

*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 6 يناير 2018

بول شيت – 24#: طيفٌ وأشياء أخرى.

في المستنقعات طيفٌ
يُسائلني من أنت؟
فهل تُجيبُ؟

أصمت برهةً
وأتلوى بحثًا في ثنايا الليل
عن مفيدٌ.

أتوسدُ مسندًا عن جانبي
وأدني فنجان نحوىُّ حلقي لأرتشف منه
وأقول خاطبًا كمن تلقى ألهامًا
عند موتٍ قريب.

أنا الوريدُ...
دمًا يسري
وقوافي كانت لي الصديق.

أنا المُسجَّى على السطور قصائدًا
وتمائمًا للعشق والحبيب.

أنا الطريقُ في رفيقٍ تحبه،
أنا الآمالُ في صندوق ذكرياتٍ
على فراش النفسِ الأخير.


أنا الرحيقُ يسقي فراشاتٍ
ونحلةٍ تلثغُ عاشقًا
هم يسرق قبلةً من حبيبٍ له في الطريق.

أنا... أنت، وأنتَ أنا...
عابرٌ فحسب يبحثُ عن رفيق.



*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 11 يوليو 2017

نقطة بيضا... ء؟

البحث عن الأمل هو غاية الجميع، لأنه الذي يبقينا على قيد الحياة، يدفعنا للاستمرار في هذه الفانية على أملٍ بتقلّب الأوضاع يومًا، لكن في الحقيقة الأوضاع لا تتغيّر، الفرص تسنح فحسب، لا وجود حقيقةً لضوء أبيض أو نقط بيضاءٍ ولا صفراء أو حتى فلورسنت. النقاط البيضاء التي يتحدّث عنها الجميع ويتفنّن في سردها الكتابُ والسينمائيون هي مجرد أحداثٍ عاديّة، وأنت وحسب ساقتك الصدفةُ لأن تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، هذا ما حدث.

لستَ مميزًا في شيء، كنت وحسب هناك، مَرِضَ فلانٌ فلم يتمكن من حضور تلك المقابلة التي قُبلت بها وغيّرت مسار حياتك للأبد، مُنحتَ وظيفة أحلامك على حساب مرض أحدهم... أو عدم تمكنّه من الوصول في الموعد المحدد. يعتقد البعض بأن الحظ يبتسم للجميع مرةً أو إثنتين، وهذا هراء... لأنّه بإحصائية رياضية بسيطة فإحتمال ورود خيرٍ في حياة بائسة ممُكن، فرصة مرض أحدهم واستفادتك من مرضه هذا موجودة وربما تكون نسبةً مرتفعةً فوق تصورك.

فرصة أن تجتهد وتسعى ولا تحققُ شيئًا أيضًا موجودة، فرصة أن خسارتك لترقيةٍ مثلًا جراء مرضِ أحد أفراد عائلتك وعدم تمكنك من الحضور، وترقية زميلك الفاشل على حسابك موجودة، لأنّه أيضًا يستطيع أن يتواجد في المكان المناسب في الوقت المناسب أيضًا. كما تستطيع أنت أن تقف بالصدفة البحتة أمام إحدى العمارات لتسقط جثةً أمامك، فينفجر شلالُ دم على ملابسك وتأتي الشرطة لتكون أحد المشتبه بهم في قتله.

لا وجود للنقاط البيضاء في حياتنا فلن يشفع لك أي شيء أو أي خيرٍ فعلته في النهاية، النقاط البيضاء التي يتبيّن في النهاية أنّها مجرد استقراءات وفهم للأوضاع بطريقة نوهم أنفسنا أنّها كانت بيضاء في الحقيقة، ولربما ستجر علينا أطنان المصائب يومًا.

الأمل جميل، والنقاط البيضاء نستطيع أن نوجدها ونطلق عليها كذلك بعد نجاح مساعينا، لكّن الأمل قاتلٌ أيضًا حين لا يكون لنا غيره، حينها نترك حياتنا للصدفة البحتة التي قد تحيلنا إلى ركام تزروه الرياح وتتحول النقاط البيضاء إلى سوداء وقصصٌ كانت لتكون أسطورية إلى أضحوكةٍ أو إحدى الإسكتشات الكوميدية في إحدى البرامج تكون لأحدهم أيضًا ابتسامة حظ  بينما تتقلّبُ بك الخطوب أو تقفز من نافذةٍ بعد أن حاولت طعن نفسك بسكينٍ لتسقط جاعلًا من أحد الأبرياء قاتلك ومن أحد أقربائك محظوظًا حين ينتقل إرثك له ليبتسم الحظ وليلعب الزهر...

.Photo by: Arthur Brower

*****

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 4 مايو 2017

بول شيت - 22#: ليلنا.

ليلنا مهدٌ للحكايا والذكريات.

يبدأ بضحكةٍ وبسمةٍ...
وينتهي بمشاعر أخريات.

يهبُ نسيمًا ويرحلُ ثقيلًا...
ليتركنا للأماني العاصفات.

.Brassaï - Couple on Bench at Night

*****

أراكم المرة القادمة...

الأحد، 22 يناير 2017

الموتُ تِلك روايةٌ أخرى!

*يُقرأ على مسؤولية القارئ الخاصة.

دائمًا ما يتركنا الموت برسائل تعبث بعقلنا، في موتِ من نُحب... يبدأ ذلك التساؤل دائمًا بجملة واحدةٍ لا تتغيّر أبدًا: "لماذا يا الله؟! لما نحن؟!"، ذلك التساؤل الذي يكشف خيبة السائل، وصمت المجيب، غرور البشر الذي أوحى لهم بفكرة أنّهم مهمين أو أنّ حياتهم ذات قيمةٍ، وأنّهم لا يستحقون ذلك، وعبثية المشهد.

عبثية المشهد، تلك التي تنتهي دومًا بفوز القوي، نجاة الصحيح وموت المريض، انتصار السلاح على أحجار العُزَّل، بلا أي تفريق أو تمييز أخلاقيّ، من الظالم ومن المظلوم، الشرير والضعيف، الحق والباطل، مشهد ماديِّ تنتصر فيه الطبيعة وحسب بلا أي تغيير.

لنُصِّر بعد كل ذلك العبث على معنىً ما، يحمل غرورًا ما بعد الغرور، يكره البشر فكرة أن وجودهم ليس بمميّز على الإطلاق، أنّه مهما حدث فسيبقون في النهاية حيوانات، كائناتٍ تبحث عن البقاء كغيرها من الحيوانات. بلغهم الجنون تصوّر أن الطبيعة ستشفي السرطان لأن ذلك مسلم، أو فقير، أنّ الخير سينتصر في النهاية لأنّه هو الصواب؛ أخشى أن أخبركم أنّ الطبيعة ستنتصر دومًا.

أخشى أن أخبركم أنّ الموت لن يُميزني ولن يُميّزك، ولن يشفع لك شيء في لحظات احتضارك، لا شيء سوى قوة جسدك في مواجهة الطبيعة! أنت لا شيء وكذلك أنا، لن يُغيّر موتك شيء أبدًا، لن تُغيّر معتقداتك حقيقة ضعفك، ولا يوجد معنى أخرًا سوى توقف قلبك...

معنى الحياة؟ أو جدوى الحياة؟ تلك مزحةٌ ربما أطلقها شخصٌ ليوهم به الناس أن حياتهم أنّ هناك معنى آخر، ليستخدمهم في بناء إمبراطورية أو تمرير رسالةٍ أو معتقد! معنى الحياة الوحيد هو البقاء، بقاء النوع... ذلك النوع الذي تُمارسه الحيوانات كي تُمرر جيناتها...

معنى الحياة هو أن تعلم أنّ حياتك هي كل ما تملك وأنّ معناها فيها، وليس في أي شيء آخر، أنّك لست بحاجة أن توهم نفس بأن هناك معنى في الموت أو التضحية أو أي شيء تريد أن تُبجلّه لتجعل منّه عظيمًا... بل افعله لنفسك، من أجل الفعل والبهجة من أجل الحياة ولحظاتها، لأنّه حين يأتي الموت سيأتي وستحاول أن تُعطي له معنى... ولكن المعنى ليس فيه؛ هو يُعطي لما قبله معنىً، المغزي في الحياة التي تتوقف، الحياة التي عشتها مشروطة تبحث فيها عن القيود واحدًا تلو الآخر، بهجتها، وسعادتها وذكرياتها... ذلك هو المعنى، وذلك الذي سيبقى... بالطبع حتى تنتهي الحياة على هذا الكوكب أو ننقرضُ كغيرنا!

لذا ابتسم الموت قادم، هو رحلةٌ عكسية حين يقتربُ تعود لك الذكريات تلك هي الروايةُ الأخرى... حياتك!

.A portrait by: Shinodaart

*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 23 أغسطس 2016

إيه بعد البؤس ده؟


«إيه بعد البؤس ده؟»، هكذا سأل علي طالباب في إحدى مناجاته الغنائية العبقريّة، باحثًا عن معنىً منطقيٍّ لهذه الحياة، وبؤسها الذي لم يعد يُطاق. صدق نبراته وإحساسه يعكس صدق المشهد وصدق المنجاة وتعبيرها عن الحال، لطالما كنت أتخيَّل كم يكون كليبُ هذه الأغنيّة؟ وحقيقةً تكفيك صورةُ القاهرة العالقةِ بذهن كل من زارها، بهوائها الخانق، وبعماراتها الإسمنتيّة المتراصة بعشوائيّة لا تعرف لها نظام، وزحامها الغير مبرر على الاطلاق الذي يرسم بعبثية لوحة تنهار على نفسها، لوحةً تتساءل: ما الذي يدفع مثل هؤلاء للتكاثر على هذا النحو؟ هل حياتهم سعيدةٍ لهذه الدرجة ليبعثوا الروح مجددًا؟!

الحقيقة الواقعة أننا لا نعرف لحياتنا معنىً، وكل محاولتنا وفوضانا وعشوائيتنا، ورغبتنا في الحياة وإعادتها هي صرخةُ تصيح: «ما معنى هذه الحياة؟»، كل طفل يُنجب هو صرخةٌ لأبٍ أراد أن يحقق يومًا شيئًا وفشل وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمرر بها اسمه، كل هؤلاء الأطفال هي صرخة تبحث عن معنى للحياة، وكأن المعنى الوحيد لهذه الحياة أن تكون أبًا أو جدًا...

تلك هي المعاني التي نؤمن بها نحن، والتي لن نستطيع الإستمرار فيها أكثر من هذا لأنهّل يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمون نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص. فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أو للعالم أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة "كنّا".

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين معتقلين عرفناهم يومًا ما، لتقتنصها قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في الخلاص منها عمّا قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك نصرٌ ما عمّا قريب، في كل خطابٍ تسوّدُ فيه وجوههم، في كل معتقلٍ يُعتقل، في كل حرفٍ يُسجن ويُحاكم بسببه الكتاب... وفي نظرات الرعب التي تملئهم حين نبتسم، وحين نَسِّفْ.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا... حين ندرك حقًا أنّ هناك معنى أعظم لهذه الحياة.

«إيه إللي باقي؟
كفِّي نفسك،
عطفك ملوش داعي! 
قدِّمنا الكل
قبل النفس...
إيه إللي باقي؟ 
لا شيء...
لا شيء...
إنتا مش الوحش دا؟!
إنتا أقل من الوحش دا.»
******* 
.A Self Portrait by: Moritz Aust

أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 6 يوليو 2016

365 حرفًا من العزلة.

*يُقرأ على مسؤولية القارئ الخاصة.

هكذا نمضي، وتمضي بنا الأيام... يأسرنا الوقت فلا نستطيع التمييز، نحاول أن نُدرك... وحين نستعد للإدراك نتوّقف، وكأننا لا نرى سببًا وجيهًا مفهومًا لذلك، فننظر حولنا فنرى بسماتٍ وسعادةٍ تعتلي الجميع ورغم علمنا بزيفها وجهلها نتمنى ولو للحظة أن نكون مكانهم، لنسعد بالقليل، ونشعر بالأمان والطمأنينة في الطقوس والأعياد.

تعيسةُ تلك اللحظة التي تدرك فيها أن فهمك وإدراكك هو سبب تعاستك، تنظر لنفسك في المرآة وترى العدم حاضرًا في ملامحك، ترى اليأس وكأنّك اليائس في لوحة كوربيت، ترى الحسرة وكأنّك يونس في بطن حوته، ولكنّك لست مؤمنًا مثله لتناجي ربّك فيُجيبك، لست نبيًا أو وليًا أو عابدًا تقيًّا حتى...

تتمسّكُ أنت بما لم يكن أبدًا لك، بسعادةٍ لا تُدرك حتى معناها، حتى القلم حين تتمسّك به يدُك رغمًا عنه يأبى الكتابة، يأبى أن يخط بحبره كلامك، يلفظك كل شيءٍ حتى جسدك الذي صرتُ عبئًا عليه، يحملك خضوعًا ويعٌّد الأيام والليالي كي يعلن ثورته عليك بقيادة قلبك الذي سيقول "لا" لأول مرة، وسيُجيبه كل أعضاء جسدك ساعتها، معلنين انتصار الطبيعة والقدر والواقع عليك، محتفلين بأن جهودك لم ترى النور!

لكنّك تظل تنظر في المرآة لكنّك هذه المرة لا تنظر في انعكاسها إنما فيها هيَ تنظر في إطارها وفي زجاجها الذي يُمثل مشعل الحقيقة الذي جعلك تنظر لنفسك وحسب بإرادتك لترى وجهك الشاحب بآلامه وندباته لتتساءل ماذا يرى الناس حين رؤيتك؟ هل يروا مأساتك، أم يروا فقط جسدًا نحيلًا يسير متثاقلًا يحمل نفسه، أم يروا تلك الابتسامة المتُخّشبة التي يحملها فقط لمن حوله، حتى لا تكون ثقيل ظلٍ مصدر كآبتةٍ وحسب.

لتستمر في السير غير عابئٍ وقلبك يضطرم يرى في كل طريق فرصة إنتحار واتتك في كابوسٍ يومًا ما، وكأنك في إحدى حالات الديجاڤو... ترتقب تلك السيارة الرماديّة التي ستلقي نفسك أمامها... "كنت هنا"... ها هي في الوقت المناسب... لحظة وتدرك أنّك أمامها، ترى الذعر في عين السائق المسكين... "نفس تلك الملامح" نفس السيارة... التي ضحكت عليها يوم أتاك الكابوس ووقلت "يعني يوم ماموت أموت بڤيرنا"...

كنت تضحك ساعتها لأنك كنت تعلم أنّه كابوس وأن صدمة السيارة ليس سوى منبه هاتفك ليس إلا... أما اليوم فأنت لست بكابوسٍ ولست حالةً من حالات الديجاڤو أنت لست سوى قصة أخرى غير مروية، تنتظر الصدمة كي تكتمل ملامحها... ولكّن لغرضٍ دراميّ لن تكتمل لأنها لو اكتملت فذلك يعني أنها حصلت على خاتمتها، ولكنّها في الحقيقة لم تحصل على خاتمتها بعد.


.The Desperate Man by Gustave Courbet


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 27 مايو 2016

بول شيت - 18#: عند المضيق.

رست سفينةٌ
عند المضيق...

لأخطو برفق
نحو البريق.

سمعتُ ملاكًا
من عليها قريب...

ينشد في حزنٍ
"أحزان المصيف".

فوقفت بعيدًا 
عند سفح النجوم...

أندبُ حظي 
في ضيّ الشموع.

كان الملاكُ 
حبي الأخير،

وفي عشقّه
سقطت غريق.

دقائق ويحين
وقت الرحيل

لأطفو غريقًا 
عند المضيق...

حيث السفينةُ
حيث الحبيب.



تمت.

أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 20 مايو 2016

مأساتي.

صرت أبكي حين أرى، بلا أي سبب واضح... أبحث عن الأحزان والتراجيديا في كل مكانٍ، وكأنني أهواها. أختلّت موازين حياتي وصرت كرجل قشٍ تذروه الرياح؛ مخيف المنظر، يبعد الخلق من حوله. أتساءل أحيانًا حينما تنهمر دموعي؛ متى تجف؟ متى ينقطع هذا الحبل الذي يجعلني غريبًا عنهم، كأنني فضائيّ يهوم على وجه بين البشر، عجيبًا يتخبّط في محاولة فهم هذا المنشأ، لما لا يتوقّف قلبي فحسب وتنتهي مأساتي.

مأساتي ليست كأيِّ مأساة، مأساتي ليست حزنًا صريحًا، قلبًا مجروحًا، أو فقرًا أو محاولة جذبٍ بائسةٍ للاهتمام... ليست ذلك النوع من المآسي التي يُمكن أن تُداويها الأيام، إنما مأساتي صغيرةً وتبدو تافهةً للبعض، مأساتي هي وفائي... وفائي لكل شيء، حتى الأشياء الصغيرة منها دائمًا ما تجذبني كما تجذب الحلوى الأطفال، ذلك الوفاء كبّلني بسلاسل من فولاذٍ في زنزانة مظلمةٍ من صنعي، أنا السجّان والسجين وأنتم الحَكَم والقاضي...

وضعتُ نفسي في منظورٍ كنتُ أنا محوره ونقطة بدايته (صفر ، صفر) في محور السينات والصادات، ولم أفطن لحقيقة أن صفرًا آخرًا كان ينقصني في الإحداثيات... صفرًا يُغيّر كل شيءٍ ويغيّر المسار وبوجوده يوجد محورٌ آخر جديد وهو العينات.
وكمُختطفٍ يتعاطف مع مُختطفِيه كنتُ، وانسقت لسجني بل وحاولت أن أوّسعه وأضم الناس له، بل ووضعتُ له نظامًا أيضًا، فامتدت جذوره في أعماقي، أضف لذلك مشكلتي الرئيسية وهي وفائي لكل ذلك...

لذا لك أن تتخيّل شخصًا ينشأ مشروعًا وهو غافلٌ للمحور الأساسيّ لنجاحه، ويكون في ذات الوقتِ وفيًا له، كصاحبٍ لمحلِ ألبانٍ في بلدةٍ سكانها مصابين بحساسيّة ضد اللاكتوز.

ذلك أنا، الوفيُّ لهذه المدونّة والصفحة  التي تقرؤونها الآنولكلِ ما أنجزه تقريبًا والذي لم يفطن إلا مُؤخرًا أن معظم من يُحاول جذبهم لديهم حساسيّة ضد الحقيقة، والأكثر إثارةً للسخريّة هو أنني أكتب ضد الأوهام في مدونةٍ تُدعى مستنقعاتِ الوهم وبعد كل تلك الأعوام أفهم أخيرًا أنّني أنا الآخر من الواهمين بأنني سأحقق أو سأغيّر شيء...

...وهكذا صرت أبكي حين أرى، بلا أي سبب واضح... أبحث عن الأحزان والتراجيديا في كل مكانٍ، وكأنني أهواها...

.A Self Portrait by: Moritz Aust


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 18 أبريل 2016

الواقع أم الخيال؟

يُقال إن الواقع أصدق وأكثر إفادة... ولأنّ نظرتنا محدودة وماديّة بشكلٍ أو بآخر فإننا نميل لأن نُصّدق ذلك، بل ونؤمن بأن الواقع هو الأساس والمعضلة البشرية وأساس الوجود. ولو أننا ألقينا نظرةً أعمق على هذا الطرح الذي نُسّلم به تمام التسليم فإننا من المفترض أن بناءًا على ذلك أن نُقّر به على طول الطريق ونسقطه أيضًا على معتقداتنا وأيماننا بواقعيّة تحدّدها حدود المنطق السليم وأن إدراكنا لتلك المعتقدات يجب ينبثق من نفس تلك الحدود.

الواقع الذي نعيشه اليوم بكل تفاصيله كان في يومٍ من أيام فكرة في خيال شخصٍ ما، كلمةٌ في رواية أو وصلة في أحد الأغاني، أو في لوحة فنان... كل الاختراعات كانت في يومٍ من الأيام أحلامًا تائهة إلى أن اهتدت يومًا لعقلٍ نابغٍ اخرجها لواقعنا الملموس.

الخيال هو ما يدفعنا للغد، ولحدود المستحيل، حتى حياتك تعيشها لأجل صورةٍ كونتها لنفسك في المستقبل بأنك ستكون ذلك وذاك، وأيضًا الميتافيزيقا... هل فكرت لثواني أيضًا أن واقع ما ندرك به من معتقداتٍ مبنيّ في أساسه على الخيال، وأن لا وجود لمعتقداتنا بدون بعض القفزات التي تنفذها مخيلاتنا، منذ وجد الإنسان على هذه الأرض والخيال يلاحقه، فكرة الوجود، والحياة بعد الموت وفكرة الحساب وفكرة وجودِ إله في الأساس هي أفكارٌ مبنيّة في صميمها على الخيال، وتستلزم قدرًا مهولًا من الخيال في لادركها ورغم أنها لا تلمسنا في واقعنا الماديّ بشيءّ إلا أنها تُحددّه، ونبني واقعنا عليها بشكلٍ أو بآخر، وتلك المعتقدات تُحددنا وتحدد سياستنا وحياتنا بشكلٍ كليّ إلى أن تحكم في النهاية أفكارنا ثم في المنتهى تُحدد خيالاتنا، لتحكم قبضتها علينا.

الخيال عظيم للغاية فلا شيء يُحدده، ولا شيء سيحددّه، وهو أعظم ما بملكه المرء؛ فلا مستقبل بدونه ولا تقدّم بدون ولا فروق بين الأفراد بدونه... منّه ولدنا وإليّه سنكون؛ كنّا في يومٍ من الأيام خيالًا في طفلٍ وطفلة تخيّلوا أنفسهم أبًا وأم... إلا أن أتيحت لهما الفرصة بأن يفعلوا، وفعلوا وكنتَ، ويومًا ما بعد مماتنا سنكون أيضًا خيالًا في حيواتٍ لمسناها، وذكرىً عالقةً تتوه في خيالاتٍ أكبر –أحوسب؟، أهو في جنّةٍ أم جحيم؟- وهكذا... إلى أبد الآبدين.



.A portrait by:  Kyle Thompson


أراكم المرة القادمة...