السبت، 14 مارس 2020

هوامشٌ على دفاتر العاصفة

في مثل تلك الأوقاتِ العصيبة دائمًا ما نتذكر أننا بشرًا، تتلاشى الطبقاتُ عندما تتحدثُ الطبيعةُ لغتها، نصبحُ بكلِ جبروتنا العلميّ والتكنولوجيِّ رجالَ ونساء كهف في هذه المعركةُ.

ننشدُ ضوء الشمسِ كعُبَّادٍ قدامى على تلةٍ، ننشرُ ذعرنا الكامنُ في نفوسنا على حدٍ سواء، أغنياءًا كنّا أو فقراءٍ؛ نبحثُ عن الماءِ والطعامِ ونبقيهِ نصب أعيننا خوفًا على أنفسنا وعائلاتنا تمامًا كما كان أجدادنا يفعل.

الحقيقةُ بأننا بكل ما فعلنا وحققنا مازالت الطبيعة وغضبها ترهبنا، مازال حلمنا في تذليل الطبيعةِ وترويضها حلمًا بعيد المنال يتلاشى أمام أعيننا يومًا تلو الآخر... 

وعلى الرغم من كل ذلك، على الرغم من وهننا وضعفنا وقلةَ حيلتنا لا نملك سوى أن نكون شاكرين على قوتنا وجلدنا في تحملنا لمثل هذه الظروف العصيبة. على قدرتنا العجيبةِ على المضيَّ في سلام بأقل الخسائر الممكنة، أننا نستطيع رغمًا عن كل شيء أن ننام في راحة بالٍ غير عابئين بالمستقبل وما يحمله لنا؛ لأننا نؤمن بنا وبقدرتنا على المواصلة... ننفض عنّا لباس السوء والضعف والمِحن وننطلقُ لنواصل من جديد. صفحةً أخرى جديدة... يومًا آخر من المثابرة والعمل الجاد... حتى النهاية.


.Christoffer RelanderMan And Nature


*****

أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

سنرحل قبل الفجر.

إنَّ لأشَّد ما يؤلمنا في هذه الحياةِ، ليسَ مُر حيواتِنا، بل افتقادنا للمعنى فيها، افتقارنا لأن نعرف حتى أنفسنا، نضيعُ وسط تسارعِ الكونِ حولنا، يومًا تلو الآخر حتى نكتشف فجأةً أنّنا لا نعرف حتى أنفسنا، نكتشفُ فجأة أن القطار قد فاتنا، أنّنا كبرنا، وشابَ الشعرُ شيبةً، بل وشابَ معه كل شيءٍ حتى أجسادنا صارت مريضةً ولا تقوى حتى على حملنا.

لكنّنا مُتعبون فحسب، متعبون في مطاردة أحلامنا؛ أحلامنا حتى البسيطةُ منها إكتشفنا أنها ليست ببسيطةٍ على الأطلاق، أحلامٌ حين تحسبها رياضيًّا تكتشفُ أنّها تساوي كثيرًا، لكنك تحلمُ على أملٍ بأنّك تستطيع، وببعضِ قفزاتٍ من الحظ والإيمانِ يصلُ البعضُ، يصلون ولكنهم يضحّوا من أجل ذلك بأشياءٍ أغلى وأنفس، يدفعون في سبيل أحلامهم الغربة ثمنًا.

هذهِ هي الحياةُ التي نعيشها بحلوها ومرها، حياةٌ يزينها رجالُ ديننا الشرفاء بالصبرِ والاحتسابِ والأجر ويجمّلها مدربي تنميّة الخرافاتِ بالأساطيرِ حتى تستمر الحياة وتدورُ العجلة، وربما يكون ذلكَ حلًا منطقيًّا فالحلُ الآخرُ هو ثورةٌ يثور فيها هذا الشعبُ المُتعبَ على أوضاعهم. وساعتها لن يكون لكلامهم قيمةً وسينكشفون بأنهم لا أكثر ولا أقلَّ من نصَّابينِ، لاعقي أحذيةٍ.

سألني صديقٌ: «متى وصل بنا الحال لهذا الدرجة؟ شبابٌ ينتحرون بهذهِ البساطة»، قلت: ربما همُ الصوابُ ونحنُ الخطأ بشتى صورة، ربما تكون هذه أشدَّ الأفعالِ اعتراضًا على الواقع، هؤلاءِ بضعفهم هم شهداءُ المعركة وسلاحُ تغييرها، جعل الناسِ يفكرون في معاناةِ واكتئاب أصدقاءهم، أن يربت كل أبٍ وكل أمٍ على أكتافِ أولادهمِ ويقولون لهم أن لا بأس.

يعطوهم الفرصة أخيرًا مراتٍ ومراتٍ، ويتحدث ويجتمعُ الأصدقاءُ القدامى مع أصدقائهم يتحاورون ويتسامرون ولا يرحلون إلّا قبل الفجر ويعم السلام على قلبٍ واحدٍ فقطٍ كان وحيدًا فأصبح له صديقًا يداوي وحدته. بعيدًا عن مزايداتٍ مواقع التواصلِ الاجتماعيِّ وصخبها المؤذي الذي لا يقدِّمُ ولا يؤَّخر.


Bryan Charnley - "The Self Portrait Series".

*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 2 يوليو 2019

محمد صلاح، الـ«Mentality»، ووهم المعرفة الزائف.

هناك إشكالية كبيرةٌ وهي أنّه في مرحلةٍ ما من حياة الإنسان وأثناء نضجه ومسيرته الحياتية والمهنيّة تتشكَّلُ شخصيّته، وتصرفاته بناءً على شخصهِ وتربيته وبيئتهِ الاجتماعيّة والتعليميّة ومستواهُ الثقافيُّ، وهنا أفصلُ بين المستوى التعليميِّ والثقافة فهما شيئين منفصليّن، لأن المستوى التعليميّ ليس دليلَ نضجٍ على عكسِ ما يتصوره البعض.

نعمُ يمكن أن يكون عاملًا رئيسيًّا وضرورة ولكنّه ليس دليلًا على الثقافةِ والوعي بأي شكلٍ من الأشكال، فنجدُ أطباءً ومهندسين وأساتذةِ جامعة على مستوى ضحلٍ ومنحطٍ في الثقافة والفكر، نجدهم يؤمنون بالتقاليد والعاداتِ والوصفاتِ المنزليةِ أكثرُ من إيمانهم بما تعلَّموه –وعَلَّموه في بعض الأحيان الكثيرة وليست القليلة- في الجامعة والمدرسةِ وفي رسائلِ التخرج وإلخ. 

والإشكاليّةُ الأخرى أننا نجدُ بعض الأشخاص الذين يبدؤون من القاع ويصلون ليصبحوا نجومَ مجتمعٍ وينظرُ لهم الناس بأنّهم قدوةٌ ومثالٌ يُحتذى به، هو أنّه ينكشفُ أمام الناسِ في معتقداته وتربيته وأفكاره سواءًا كانت تقدميّة أو رجعيّةٌ عفى عليها الزمان، تنكشفُ بمقدار نضج الشخصِ ومعرفتهِ، لذا إنكشف لنا محمد صلاح كما رأيتم في الأيام القليلةِ الماضية، انكشف لنا لأنّه صدّر صورة الخلوق ووجدها لا تناسبُ الصورة الأوربيّة والحملات الدعائيّة والإعلانيّةِ فانصرفَ عنها، انكشف لنا رجعيته في دفاعه عن وردة وليس هذا فحسب بل في اختياره لكلماتٍ إنجليزية غير دارجةٍ ليصدّرُ لنا صورة المثقف الواعي المتمكن. 

وليس هذا فحسب وليس هذا سبب اختياري لكلمة مدعي لوصفه، الادعاء الحقيقيّ في رأيي ظهر لنا في سقطته الأخيرة سقطة الـ«Mentality» والـ«School» والتي كشفت لنا ادعاءه للثقافة أيضًا. 

هناكَ خطأ يرتكبه دائمًا حديثي العهد بالقراءة، هو أنّهم يتصورن أنّهم بقراءتهم لكتاب أو إثنين أصبحوا مثقفين وذوي معرفة، وفي الحقيقةِ هذه ليست بمعرفة على الإطلاق، هذا ما يسمى بوهم المعرفة، لأن المثقف والواعي الحقيقيّ لا يتجرأ أن يتعالى، يعلم أنّه مهما قرأ من كتبٍ وتعلّم أن الطريق طويل، لا يتعالى على الناس بثقافته لأن يعلم بعد كل كتاب وبعد كل درسٍ أن العلم والثقافة هي رحلةٌ لا تنتهي وأن تقول أنّك مثقفُ فهذا ادعاء وتكبّرٌ على العلم.


.لازم نمّرن هنا..." - محمد صلاح"
*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 3 نوفمبر 2018

نظرية الطاسة.

مصر هي طاسةٌ كبيرة، تحملنا جميعًا، تقلينا قليًا جيدًا على نارٍ هادئةٍ فننضجُ وتفوحُ رائحتنا فتقدمنا لعائلتها وتتركُ الباقي ليحترقُ احتراقًا، هذا الإحتراقُ يضفي مذاقًا خاصًا على الوجبة التاليّة، نَفسُ المنزل كما يُقال لذلك يسمونه المطبخ السياسيّ، ففيه تُحدد المقادير ونسبتها، فيها يتمُ إختيارُ الشيفِ ونفسه، لذلك تختلفُ الأنفاسُ باختلاف المطبخِ السياسيّ.

فمثلًا أيامُ مبارك كان هناكَ نفسٌ قويٌّ متمرسُ مليءٌ بالهيلِ (الحبهان) فلا نكهةً تعلو فوق نكهتهِ، وتبعه الإخوان بالزنجبيل فبعضُ الزنجبيل يعد مفيدًا إلّا أنّه وكعادة المبتدئ الهاوي أسرفَ في استخدامه وكعادة الطباخين فإنّه يجب على الطباخ أن يتذوّق طبخته، في حالة مبارك ومع تكرار الطبخة وتضائل الاحتمالات تذوق النظام حبةَ الهيلِ وابتلعها، وأما مرسينا فكما تعلمون أن كثرة الزنجبيلِ تسببَ أمراض القلبِ والجهازِ العصبي فلم تحتمل الطبخةُ ذلك أيضًا.

ثم أتى عصرُ الإسبايسي بنكهاته الحارقةِ، والأكثر حرقةً عند هضمها وخروجها، حتى فقد الجميع القدرة على العيشِ بسبب آلام المعدة الحارقةِ وحتى لم يبقى لأحدٍ القدرة على الاعتراض على الحرقةِ هذهِ بسببِ أنهم يعانون من اسهالٍ شديدٍ يستلزم البقاء في المنزلِ حيث يكمنُ الأمانُ في دورة المياه، وهناكَ من الحالاتِ المتأخرةِ من ركنَ إلى الحفاضاتِ لأنّه فقد القدرة على النهوضِ أصلًا فتقبّل الواقع المُسِهل وتعود على الرائحة.

لكن هذا ليس كل شيء للأسف، فللطاسةِ نظريةٌ أيضًا أحبُ أن اسمّيها نظريّة الطاسة، حيث تتعقدُ الأمورُ أكثر من كوننا مكونٌ في الطاسة، يُصبح لكل مكونٍ طاسةٌ أيضًا، نعم لكلٍ منا طاسةٌ ومختلفة في مادتها بعضها سام كالنحاس هؤلاءِ لا أمل في طاستهم، فحتى لو تم ملئها بكل تقدميّة وديموقراطيّة سيسممونها بسمومهم، وآخرون من الستانلستيل هؤلاء يتشكلون كما يطلبُ الشيف ويتغيرون بتغير الشيف ونكهاته، وينبذون ما قبله ويخلعون عباءته في لحظاتٍ وفي غمضة عين.

ومنهم من أذهبَ الوضعُ طاسته، فراحَ يُعمِّرها، فلا شيف ولا هيلٍ ولا زنجبيل، فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ سوى ملكوتها الموقت، لتعود إليه كما الآخرين بتعاقبُ الأزمان.


فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ...

*****

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 23 أغسطس 2018

رسالة - 8#

عزيزتي،

نتأرجحُ في هذه الفانيةِ بين السعادة والألم، بين اليسرِ والعسر، بين الحياة والموتِ، لتمضي أيامنا كالسائر نحو الزمانِ وفي خطواتنا الزمن. نمضي جرحى وفي خطانا الأيامُ، حاضرنا هو وجهتنا وماضينا طعنات في ظهورنا، نحمله على أكتافنا مع ما تبقى من حطام أجسادنا، لنخطو خطواتٍ تكادُ تكون الأخيرة، نلتفتُ حولنا لا نرى سوى مخاوفنا، رماد ذكرياتنا، ودموع ماضينا.

خطوة تلو الأخرى لا مفر، هذا العالمُ قاسٍ حتى في الأحلام، فحتى حينما نحلم تقتلنا أحلامنا، تقتلنا رغبتنا في جعل حياتنا أفضل، تدمرنا رغبتنا في مطاردة السعادة، فيصبحُ سعينا للسعادةَ مصدرًا للألم.

هذا العالمُ كاذبٌ واهمٌ، يكذبُ حتى في إيمانه، يكذبُ في مشاعره وأحاسيسه، يكذبُ في كل ابتسامة، وكل طقس، يعشقُ المظاهر والنفاقْ، ينسالُ بين الخلقِ خيفةَ انفضاحه، فأصبح مجتمعًا مريضًا كاذبًا، كلُ تلك المظاهر وهمٌ، وفي باطن الباطن كلُ ضدٍ.

يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمين نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص.

فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة: «كنّا شيئًا في يومٍ من الأيام.».

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين أشخاصٍ عرفناهم يومًا ما، أقتنصتهم من أمام أعيننا قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في خلاص قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك أملٌ ما عمّا قريب، في كل ذكرى، في كل رسالةٍ وفي كل حرف.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا...

A portrait by Martin Wittfooth.

*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 7 أغسطس 2018

رسالة - 7#

عزيزتي،

مساءٌ آخر حزين، لا خيرَ فيه في شيءٍ، جُبت الطرقات لا أدري لماذا؟ عقلي لا يتوقف عن التفكير، وقلبي الذي أصبح منذ رحيلك مكسورًا، يتسارعُ ربما أصابني مرض ضغط الدمِ وأنا لا أدري، لكني أكملتُ المسير بلا هُدى، والذي ساعدني في ذلك هي شوارعُ القاهرةِ التي لا تنتهي... 

أنظُر إلى هاتفي في انتظارُ، انتظار أُمٍ مكلومةٍ على ولدها المتوفي، هي تعلم بأنّه لن يرجع ولكنها تجلس على عتبة الباب بإصرارِ، في الماضي كُنت أتعجبُ لهؤلاء الحالمون الباحثين عن الآمال الضائعة، ولكني الآن أتفهمه... أعيشه في كل يوم  ويدفعني للقتال من أجلكِ كل ليلة وأتمنى لو أعلم أنّكِ بخيرٍ بأي طريقةٍ ممكنة. 

أتعلمين كم أفتقدُك؟ أفتقدك كما قالَ إيهاب البشبيشيّ في إحدى قصائده... 

«كأنكِ كفيَّ التي بُترت في صباي، 
أُحس بها لم أزل، فأمُدُّ ذراعي..
لأقبضَ لا شيءَ إلَّا الأسى عصبًا مُستثارًا. 

أَهُمُ ولا أستطيعُ الوصولَ إليكِ،
كفاتنةٍ تَستَحِّمُ على نهر أُقصوصةٍ...
قرأتها مُعلِّمةٌ حينَ كُنَّا صِغارًا.» 

فماذا بعد كل هذا اليأس؟ يقولون «يأسٌ أكبر.». لا يا عزيزتي، ما بعدَ اليأس موتٌ بطيء، ما بعد اليأس ندمٌ، ما بعدَ اليأسِ يا حبيبتي اغتراب.

لكن أنا، أنتِ، نحنُ... لا شيء سوى رمادٌ يتطايرُ في السماء وقريبًا سيهبطُ إلى محطته النهائية. ‏والعالم يا محبوبتي مزرٍ، قميءً حين يتعلقُ الأمر بنا. نعلم ذلك تمام العلم، ولا ندّعي عكس ذلك كما يفعلُ البعض، لكننّا نتمسّك بكل أمل رغمًا عن كل شيء، لا جنون منّا أو خرفٍ...فقط لأننّا نعلم أن الغدَ لا يمكن أن يكون رادعًا لنا لنستسلم، ولا ملاذ أخرًا لنا سوى أن نستبسل لذا فهذا... 

نُخبٌ لليالي الانتظار، ولوهجٍ في أعين العشَّاق ساعة اللقاء، ونخبٌ للحرية والحياة، وآخر لموتٍ ينتظرنا في نهاية المطاف. 

أحُبِّكِ حتى النهاية.

.Waiting by Brett Amory

*****

أراكم المرة القادمة...


الأحد، 5 أغسطس 2018

رسالة - 6#

عزيزتي،

أكتبُ لكِ اليومَ وأنا على حافةِ الهاوية، على أعتابِ الجنونِ، قلبيِ يتسارعُ بلا توقفٍ وقريبًا سيصلُ إلى محطته النهائيّة حيثُ سيتوقف كما يتوقف كل شيءٍ في هذه الدنيا، وربما هو الحلُ النهائيُّ كي يتوقف كل هذا الألم.

خطرتْ ببالي أفكارٌ عِدة، حلولٌ كلها ذهبت أدراج الرياحِ وأعتقدُ أن الحل الوحيدَ المتبقي هو أن أختفي من على هذا الوجود، ربما ينتهي هذا الألمُ وهذا الحزن، الحياةُ ليست عادلةٍ يا حبيبتي، لا تتركُ لنا فرصةً، تُكيل لنا بكل المكاييل وتُخْسِرُنا، هناك حقيقةٌ واحدةٌ في هذه الحياة هو أنني أحبك إلى حدِ الجنون، وربما صرتُ مجنونًا، والمؤسفُ في كل هذا أن المجانين لا يدركون أنّهم مجانين، وكذلكَ العقلاء، الإدراكُ يا عزيزتي نسبيٌّ متباين، يُقاسُ بعلمِ الشخصِ وخبراته وقدرته على الاحتكام لها.

لهذا لا يُدركون مقدار حُبي لكِ، ولا يدركون شكلَ الحياةِ بدونكِ، وصدقًا أقولها إنني أصبحتُ أمقتُ الحياة التي لستِ بها، أكره الصباحَ وأنا أعلمُ أن أعينكِ لم يزورها اليوم.

أبغضُ نفسي كل دقيقةٍ وثانية، كنتُ سببًا فيما تُعانينه، كُل هذا البؤسِ والحزن سببه، سببه أني أخبرتُك ذات ليلةٍ أنني أحببتُكِ وأنني اخترتُكِ دونًا عن غيركِ لأمضي بقيّة حياتي معكِ، إنتابتكِ نوبةٌ متقلبّة كنتِ تتعففين عن هذا الإقدامِ ويا ليتكِ قفلتي هذا البابَ، وانتهتْ حكايتي، كنتِ لتكوني سعيدةً الآن.

آسفٌ أننا حلمنا، لم نُخطئُ فيه في شيء، حلمنا وخططنا ليومٍ نجتمعُ فيه أخيرًا، حُلمًا سعيدًا، يليقُ بقصتنا، لكن القدر أبى وحال بيني وبينكِ كموجٍ غائرٍ حال بين نوحٍ وأبنه.

أسفٌ عزيزتي على كل لحظةٍ وكل أملٍ كاذبٍ، وعَدتُكِ بأنني سأقاتل من أجلكِ حتى النهايةِ وسأظلُ، فلا أملكُ في الدنيا هذه سوى ذكراكِ. أنا على كافةِ وعودي، وسأراكِ حتمًا يومًا ما، أو ربما يُحكمُ القدر قضائه، فأعدُكِ أنني سأركِ في الحياة الأخرى.

أحبكُ حتى النهاية.

.So close, So far away by Huang Saifeng


*****

أراكم المرة القادمة...