الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

ترنيمة المحكمة.

قِفْ فَأنْتَ
فِي قَاعَةِ مِحْكَمَةْ؛

حَاجِبُهَا يَصُيِحُ
كَمُؤَّذِنٍ يَعْتَلِي المِئْذَنَةْ.

ودِفَاعُكْ 
يُجَهِّزُ عِتَادَهُ
فاليَومَ يُومُ المَلْحَمَةْ.

وأنْتَ خَلْفَ القُضْبَانِ
تَضْحَكُ عَلَى ادِّعَاءٍ 
يَتَوعَّدَكَ بِحَبْلِ المَشْنَقَةْ.

وتُوشِكُ يَدَاكَ بِأنْ تُصَفِّقْ 
لِرَوعَة حَبْكِ المِهْزَلَةْ.

"أتَّدَعِي المَسْكَنَةِ...
في هَذِهِ المَسْألَة؟

ولماذا لَسْتُ بِوَاقِفٍ
وأنْتَ في قَاعَةِ مِحْكَمَةْ؟"

قُلْ بِئْسَ الحَكَمُ 
والحُكُمُ والمَحْكَمَةْ...

فلْتَشْنِقُونِي أو لتَحْبِسُونِي،
أو لتُرسِلُونِي إلى الإِسْكَلَةْ*.

فالمَاثِلُ أمَامَ سِيادَتِكُمْ
مُتَّهَمٌ بِإثَارَةِ البَلْبَلَةْ!

*******

Odd Nerdum - Self Portrait As A Dog.
*)الإِسْكَلَةْ: مرفأ السفن.

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 20 أغسطس 2015

بول شيت - 14#: خيالات.

خيالاتٌ، تراودني
خيالات.

خيالاتٌ... تقول عائلتي
أنهّا تفاهات.

خيالاتٌ، تحاصرني...
شرقًا وغربًا
وفي كل الاتجاهات.

خيالاتٌ متقلبّةٌ
لها حالات...

تلهمني
عندما أكتب...
وفي الليل
عندما أحلم...
عِجفات.

تشاركني سعيدًا،
وفي وحدتي
تبعث لي
سلامات.

خيالاتٌ، تراودني
خيالات.

خيالاتٌ... تقول عائلتي
أنهّا تفاهات.

خيالاتٌ، تحاصرني...
شرقًا وغربًا
وفي كل الاتجاهات.

*******

.Portrait by Laurence Demaison


أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 18 أغسطس 2015

البلا بلا بيليڤز.

أتذكر ذات مرةٍ عندما كنت صغيرًا في أحد حلقات تحفيظ القرآن في المسجد المجاور لبيتي أن أحد الشيوخ كان قد سمع أحد الأطفال يردّد بعض الكلمات الإنكليزية التي حفظها في المدرسة داخل المسجد بينما كان يسترجع ما حفظه قبل التسميع[1]، وكان من بين تلك الكلمات كلمة Mosque، فلمّا سمع الشيخ هذه الكلمة أغلق المصحف الذي كان يقرأ فيه وجمعنا أمامه وأخذ يحدّثنا عن أهميّة اللغة العربية في البداية... وأن نولي لها الاهتمام فهي لغة القرآن، وأهل الجنّة وما إلى ذلك... ثم جلس وأسند ظهرة إلى أحد عواميد المسجد وقال وقد بدى عليّه التأثر...
«هل تعلمون ماذا تعني كلمة Mosque التي يعلمّونكم إيّها في المدارس، كلمة Mosque تعني المستنقع الذي يعيش في البعوض، مساجد المسلمين الطاهرة في الإنكليزية تعني المستنقع العفِن الذي يعيش فيه البعوض. فلا تقولو Mosque وقولوا مسجد.»[2]
ثم استدرك مجددًا، وقال:
«وكلمة bye أيضًا... تعني "في رعاية البابا!"»[3]
لم نكن قد تجاوزنا الثانية عشر بعد، وكان وقع تلك الكلمات علينا عظيمًا، كم هم أشرار هؤلاء الإنكليز الملاعين، يدّنسون كل شيءٍ حتى الشيبسي وبطاقات البوكيمون[4] المحملة بالسرطان، لم يكفيهم ما فعلوه بفلسطين، يتآمرون علينا حتى نصبح مرضىً حين نكبر، ولا نستطيع أن نحرر الأقصى.

لم يكن يعلم هؤلاء الشيوخ وهؤلاء الناس أننا سنكبر يومًا ما وستتطور التكنولوجيا إلا هذه الحد وأننا سنعرف الحقيقة وسنقرأ مناهج أخرى غير مناهجهم، وستنكشف خرافاتهم، واستغلالهم عقولًا كان بالإمكان أن تصبح بيئة مناسبةً للإبداع، ولكنهم أفسدوا أكثرها بالخوف والمؤامرة التي وضعوا بذرتها بينما كنّا صغارًا، وسقوها بالخرافات على مدار سنين حياتنا وحين أزهرت وأينعت أخرجت شبابًا مستهلكًا منكسرًا بالخرافات، مشبقًا بخرافاتهم ومستسلمًا للسيناريو المكتوب، والمحتوم بالنسبة إليه.

ستنهي دراستك، وستخدم بلدك، ثم تفني آخر ما تبقى من شبابك "بتكّون نفسك"، ثم ستجلس في إحدى الصالونات المُدّبرة، حيث تحالف الآباء وتلاقت مصالحهم، ستجلس وسيُقدّم أمامك شرابٌ أحمر مرتبط ومزروعٌ في عقلك وعقلها بالفرح ومحفور في ذهنك يوم سبوعك[5] حين دُقَّ الهون، وقامت جدتك بوصمك بفروض الطاعة... ستجلس، وستشير موافقًا على كل الطلبات التي يطلبها الوالد طوعًا أو كرهًا، فلم تعد تطيق كلام الناس المسموم حولك "مش هتفرّحنا بقى يا معلم" وسأمت أيضًا الإيجار، وقيوده وكم المُلّاك الذين لا يريدون عزابًا، وكأن السبب الوحيد لشابٍ عازب لإيجار شقةٍ هو "علشان يجيب بنات"...

وعلى الفتيات أن تقبل أيضًا، حتى لا يفوتهم قطار العمر، وشبح العنوسة، وجلسات النميمة حيث يتفاخر كل منها بكم شابًا طرق بيتها ليطلب يديها، ورفضته، وهي في الحقيقة لم ترفضه بل رفضه والدها... هذه الجلسات إن نجحت، تخرج لنا نموذجًا محفوظًا من الأسرة المصرية الخالصة المتحفظة ذات الطفلين الأب عبارة عن كرشٍ متحرِّك، والأم عبارة عن شكلٍ اسطوانيّ مُنهّك القوىّ، لا هم لّهذه الأسرة إلا أن تعيد دورة حياتها عبر أطفالها فتزرع فيهم كل الأفكار التي تربوا عليّها ليمّرروا كل الأفكار القمعية المزرية التي عفي عليها الزمان، فيمرروا الاستقرار، والفهلوة والمشيّ جنب الحيط، والتدّين المُحافظ المُنافق...

Photo credit: http://www.arabacademy.com/

يؤمنون ولا يؤمنون، كل إيمانهم ومعتقداتهم وأفكارهم تضيع وسط الاستقرار والفهلوة والتدين المصلحة والبلا بلا... معتقدات البلابلا، أو البلا بلا بيليڤز، معتقدات تترك للمصلحة، وتؤخذ للمصلحة، ومن المصلحة وفي المصلحة، فكل ما هو مصلحة حلال، وكل ما فيه تضارب هو حرام... وتسرّبت هذه الشخصية الى السياسة، بعد أن تشبّعت بالدين، وأحتفظت بالبلا بلا بيليڤز خاصتها... مع الرصاص إذا كانوا هم مطلقيه، وإن كانوا في الجهة الأخرى أوسعونا كلامًا عن حرمة الدم، مع الغناء إن كانوا هم منشديه وضد الغناء إذا كان مُنشده آخرون. يقتبسون القرآن ليماشي قصصهم، وعندما يقتبسه آخرون يرمونه بالكفر والضلال.

يصبحون مهوسين بالسيطرة والسلطة، فلم يختاروا شيئًا في حياتهم، كل شيءٍ أختاره لهم مجتمعهم، فيظنون أن بإمكانهم الاختيار للجميع، تطبيق نهجهم ورؤيتهم، أنهم ولي أمرك من يحق له الاختيار وأنت ما هو إلا تابع حقير، لإن أتوا بالديموقراطية، فلتحيا الصناديق... وإن لم يأتوا بها فالصناديق رجسٌ من عمل الشيطان، والشورى هي الحل! استغلال الأميّة... يصبح الأمي مجاهد لخدمة للخير الأكبر، وإن أستغل أخرون الأميّة... فيصبح الأميّ عبد البيادة والعسكر...

وتستمر الدائرة بالدوران، في تخليق أشخاصًا بالبلابلا بيليڤز، فنفس طريقة التربية تُمرر عبر الأجيال، نفس الوسيلة، نفس السلعوة، ونفس أبو رجل مسلوخة، ونفس الخرافات تُمرر... نفس الكذبات ونفس السيناريو المكتوب... بلا أي إضافات... سوى المزيد من الأطفال والمزيد من النسل التالف.


أراكم المرة القادمة...

[1] التسميع: هو أن تقرأ على الشيخ القرآن الذي حفظته بدون مصحف، والجزء الجديد المحفوظ يسمى "اللوح" والجزء الذي حفظته يسمى "مراجعة" وهي مصطلحات تدّون غالبًا في كراسة.
[2] يوجد أربعة احتمالات لأصول كلمة Mosque ، وهم إما من الفرنسية: mosquée أو من الإيطالية القديمة: moschea أو من الإسبانية القديمة: mezquita أو من العربية: مسجد وجميع الأصول الفرنسية والإيطالية والأسبانية تعني مسجد. ولا يوجد أي دليل على أن كلمة Mosque مستمدة من كلمة إسبانية أو إنجليزية عني بعوض.
[3] Bye، هو اختصار دارج لكلمة Goodbye، وهذا المصطلح مستمد من مصطلح آخر قديم God b' wy والني تحولت أواخر القرن السابع عشر إلى good-b'wy. ولا يوجد دليل يدعم خرافة البابا.
[4] انتشر في تلك الفترة إنيمي مُدبلج يسمي البكيمون، وبعد انطلاقه أطلقت شركة شيبسي في منتجاتها بطاقات البوكيمون هذه، وفور نزول المنتج انطلق شائعة أن هذه البطاقات تحمل مرض السرطان، وإنّك يمكن أن تراه وتشمه بأنفك إن أحرقت هذه البطاقات على النار.
[5] السبوع: أحد العادات والطقوس المصرية القديمة، وفيها يتم وضع الطفل على صينية وغناء بعض الأناشيد الغير مفهومة، وتقوم غالبًا إحدى السيدات الكبيرة بدق الهون وترديد وصايا للمولود كأن يكون مطيعا لوالديه أو غيره.

الثلاثاء، 21 يوليو 2015

ذكريات عالقة في وش النسكافيه.

كانت مع بدايةِ كابوسٍ يعايشه كل مصريّ؛ كابوسٌ يأتي في مراحل التكوين الأولى للشخصية، ماذا تريد، وكيف أنت؟ ولم؟ في وقت تجاهد فيه كل شيء تقريبًا حتى جسدك الذي تُؤّرقه الهرمونات والعضلات وحب الشباب ونظرات أهلك وأقاربك التي يملئها الأمل الذي يشوبه الحسرة والحزن والتعبير الدارج "والله وكبرت يا..."...

الكابوس يدعى الثانوية العامة، فيه تتخذ قرارًا مسبق تغامر به بمسار حياتك بأكملّه... مقابل ماذا ستحفظ، وأنواع الكتب التي ستحفظها؟ أهي كتب أحياء، تاريخ؟ أم نوعيات مسائل وأفكار! وسيكون عليك أن تصبح وتمسي على موادٍ لا تؤّهلك لشيء سوى إختبار "المليء والصب" حيث تملأ نفسك بالمعلومات التي لا قيمة لها سوى أن تصبها لاحقًا في الامتحان. فتقضي نهارك في الدروس الخصوصية، فيتوجب عليك السهر ليلًا... ويتحتم عليّك البدء بشرب الكافيين، وهكذا تبدأ أول ذكرياتي تعلق بوش النسكافيه.

******* 

ثم كانت ثورة تونس، تبعتها ثورة يناير بدون أي مقدمات، لأستيقظ صبيحة 23 يناير على دعواتٍ على الفيس بوك عن ثورة للعدالة الاجتماعية وعلى شباب قد بدأوا ينسابون في الميادين، كنت في المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة، وكان من الصعب عليّ حتى متابعة الأخبار على التلفزيون، فالصباح كان مُستهلَكًا تمامًا في الدروس الخصوصية، واستمرت صحبة السهر... المكتب الكئيب بملازمه العقيمة وبالطبع النسكافيه، ولكن هذه المرة كانت هناك إضافة جديدة وهي الهاتف، حيث ظهرت في تلك الفترة ثغرات الإنترنت الـOpera، والـHandlers والـCracked Browsers فبدأت أتتابع الثورة بشغف عبر الهاتف، ووقتها شعرت لأول مرةٍ بالفراغ، خاصة مع بداية فوضى المصطلحات التي صاحبت الثورة وأدركت حينها أنني جاهلٌ كليًا بالسياسة حتى المعلوماتِ العامة منها، ومضت الأيامُ وأجهضت الثورة بنجاح، وتفرقت الفرق، وبدأت أتابع الأخبار وأقرأ الكتب لأول مرة بعد سلاسل ما وراء الطبيعة، والرجل المستحيل، وبدأت رحلتي مع تبسيط الليبرالية، الجمهورية لأفلاطون، وتبسيط الفلسفة ومبادئ المنطق... تبعها دخولي عالم التدوين، لتعلق ذكرى أخرى في وش النسكافيه لكن هذه المرة للسطحيّ الشغوف الذي يحاول تنوير نفسه.

******* 

مضت الأيام سريعًا، ونجحت في تحصيل قدرٍ كافٍ من المعلومات، لكنني أصبحتُ مغرورًا فخورًا بقلائل الكتب التي قرأتها، كنت ساذجًا، ولم أدرك أن ما زلت ذلك السطحيّ الجاهل الفخور، وضيعّت شيئًا جميلًا بعد اكتراثي والبعد الساذج الذي اكتسبته... ونجحت في إبعاد أول علاقاتي عنّي...

منذ سنتين تقريبًا، كنت في موعدٍ مع أول صديقاتي، وذهبنا في موعدنا إلى إحدى مولات القاهرة، تحديدًا "سيتي سنتر"، وحجزنا تذاكر الفيلم الشهير “Warm Bodies”، وقررنا قتل وقت الانتظار بالجلوس في مقهىً قريبٍ... بادرتها بالكلام، فقد كانت غاضبةً، ولا ألومها على غضبها؛ فكنت قد تجاهلت بعض مكالمتها وبعض رسائل الـSMS –لم يكن الـWhatsapp منتشرًا ذلك الانتشار في 2013-...

- تشربي إيه؟

فأشاحت بوجهها، منتظرة مني الاعتذار، ولكني لم أعتذر... وكأنني فيلسوفٌ أو كاتبٍ مشهور تعانق مبيعاته السماء... لم أذكر لها أنها اختارتني وصبرت عليّ وتحملت عدم مبالاتي الشديدة، وأحاديثي الململة عن زاردشت، وذدت الطين بلةً بأخبارها عن تفاهتها وسطحيتها... خالقًا لنفسي الحق في الحكم على الناس ببضع كتب وآراءٍ متحررة... حتى إنني تماديت أكثر، عندما سألتني عني الحب... وأخبرتها أنّه بسبب التستسرون والأستروجين ليس إلا! كنت عديم الإحساس متفاخرًا بالمعلومات، حتى أنني في خضم شجارنا في ذلك اليوم طلبت نسكافيه! وكم أوّد أن أعتذر منها، فلم تتح ليّ الفرصة أبدًا أن أعتذر لها، لذا أينما كنتي أريدكِ أن تعلمي أنني في غايةِ الأسف... لكِ ولي، وأتمنى لك السعادةَ أينما كنتِ! وهكذا علقت ومازالت عالقةٌ هذه الذكرى في وشِ النسكافيه.

******* 

وهكذا تعلق الأشياء بذاكرتنا، بالمكان، بالزمان وبالأحداث، وربما في أكوابِ قهوتنا أو حتى في انعكاس المرآة، فالحياة مثلها مثل الشريطٍ المصوّر، يتسنى لنا أن نعيش بعد لحظاته مراتٍ ومراتٍ، حتى أن خيار الـRewind متاحٌ، ولكن بطريقةٍ آخرها في الأحلام وفي كل شيء نوّد أن نسترجعه مرة أخرى لنعاود ونندم، ونبتسم، ونعاود ونبتسم ونندم، مهما حاولنا التملص من الأمر وتناسيه ستبقى الذكرياتِ كڤيديو حيث دائمًا الشمس مشرقةً، أو ليلٌ كالح الظلمة، فمهما يكن ومهما سيكون، ستستمر حياتنا، وسيبقى نسكافيهنا لنتذكر الذكريات العالقة لنستمد وقودًا وتصحيحًا ورؤية للمستقبل حيث كل شيء على ما يرام!


وسيبقى نسكافيههنا لنتذكر الذكريات العالقة لنستمد وقودًا وتصحيحًا...



أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 26 يونيو 2015

بول شيت - 13#: لا أبالي.

أين أنتَ أيها الناسك الباكي...
وحدك تعلم كيف حالي؟!

أمضيتُ سنين منتظرًا...
أنتظر الموتَ ولا أبالي.

كيف أصبحُ وكيف أمسي...
بقلبٍ غرتّه الأماني؟

ضريرًا وحيدًا، ألتمس طريقًا...
في غياباتِ عشقٍ دامي.

أتخبط بفعلِ جرحٍ...
قد خلّفه حبٌ سادي.

فأين أنتَ؟ أين أنتَ؟
 أيها الباكي...
وحدك...
 تعلم كيف حالي؟!

سنين
منتظرًا...
الموتَ
ولا أبالي.

ضريرًا...
 ألتمس طريقًا...
قد خلّفه حبٌ سادي.

يصرخ مجنونًا:

’’لا... أبالي...
لا... أبالي...‘‘

ويختفي في الظلام.

*******

.Photo by: Jerry Uelsmann

تمت.


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 15 يونيو 2015

طقس شيطاني

كان يذهب كُل ليلة إلى مكانٍ مظلمٍ تسكنه الأرواح، يُشاع في القرية أنّه قد ترك الإسلام، وأعتنق ديانةً للشياطين، وكل ليلةٍ يذهب هناك ليؤدي طقوسًا شيطانيةٍ يتقرب بها من إلهه الجديد (لوسيفر)، لم يقترب منه أحدٌ قط، ولم ير أحدٌ وجهه فقد كانت طقوسه دائمًا بعد منتصف الليل، ليبدأ طقوسه اللي لم يعهدها أهل القرية، بعزفٍ منفردٍ للساكسفون يدوم لساعة وفي بعض الأحيان أكثر يصاحبه دائمًا بكاءًا شديدًا، نفس اللحن "صحيح!"، لسباندو باليت... كل ليلة... وفي أواخر عام 2013، كانت قد ضاقت وأستفحلت وأستقوت قلوب متطرفي القرية، فجمعوا أهل القرية، وأعلنوا قرارهم بأنّه يجب أن يُقتل هذا الكافر اللعين الذي يعبد الشيطان ويدّنس أرض قريتهم الطاهرة، وبالفعل ترصّدوا به في اليوم التالي أمام المقابر حيث كان يذهب كل ليلة ليعزف لإبنته الراحلة أغنيّة ما قبل النوم، ليلحق بها هو الآخر، ولكن بظهرٍ قد علق به ساطورٍ كان سبب وفاته.

 بعزفٍ منفردٍ للساكسفون يدوم لساعة...

تمت.



أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 8 يونيو 2015

بول شيت - 12#: عصفور.

نحو السماء يتوجهُ نظري من شرفة المنزل وصوت ألحانِ سيبير يصدع من هاتفي معيدًا عليّ أشجاني ففي برود صيف ليل القاهرة، ومن هذه الشرفة اللعينة؛ أتذكر كيف كانت تُغني...

قاطعني صوت سيبير من بين ألحان الفولك: ''للبحارة!'' ابتسمت وقلت في نفسي: ''لا يا عزيزي... في حالتي هذه لم تكن تغني للبحارة... كانت تغني لعصفور أو بغبغاء لا أدري... في قفص في شرفتها... كل ليلة... في نفس التوقيت، ليغرّد العصفور فرحًا... بينما وقع صوتها يجلد قلبي، بينما تبتسم لتعطي المشهد جمالًا، أم أنها تهزأ بي بابتسامتها الآسرة... فهي تعلم تمام العلم أنني أراقبها كل ليلة ولا أهتم ماذا تظن بي، فلم أعد أستطيع النوم من دون أن أسمعها تنشد ''عصفور طل من الشباك وقالي يا نونو''.

ثم انقطعت، لا أدري لماذا؟ القفص ما يزال في الشرفة... وأكاد أجزم أنني أسمع العصفور بداخله يصرخ شوقًا إلى إنشادها... ليخيم على الشرفة جوٌ بارد كئيب... ما زلت إلا هذه اللحظة أحاول أن أتذكر كيف كانت تبدو وما يزال صدى صوتها عالق في أذناي....

كل ليلة أقف في الغرفة منتظرًا ظهورها إلا أنها كل مرة تُخيب ظني لالتقط الهاتف أرفع الصوت ... وأغني مع ألحان الموسيقى في حزن... بينما أغلق الشرفة لأرتمي على السرير فاقد الأمل...

''أصبح من الصعب
أن أجدك في ذكرياتي...
أطوي جراحي، وأحاول أن أغط
عميقًا في النوم...
محاولًا سد الفراغ.''

The Birdcage Impressionist women -  Frederick Carl Frieseke



أراكم المرة القادمة...