الخميس، 7 مايو 2020

على رصيفِ الميناء.

على رصيفِ الميناء، رست سفينة، سفينةٌ تحمل داخلها مختلف أنواع الحياةِ، وكأنّها سفينةُ نوحٍ تعيدِ تكرار نفسها، في مشهدٍ مهيب رست وسطَ فرحٍ عارمٍ منِ رُكّابِها وبحارتها الذينِ ما أن وطأت أقدامهم الرصيفَ عانقت رؤوسهم خرسانته سجودًا وحمدًا وشكرًا على سلامةِ الوصول، فهذا عاملٌ وذلك مغتربٌ أمضى سنين عمره في الغربةِ بحثًا عن قوتِ يومه، وذلك تاجرٌ كبيرٌ ينتظرُ شحنتهُ من السياراتِ التي سيتاجر بها في موطنه، وآخرونُ سافروا من أجلِ السفرِ حملوا آملاهم وطموحاتهم على السفينة باحثينَ على فرصةٍ جديدة، مغامرةٍ جديدة في مكانٍ آخر غير موطنهم.

تتلاحمُ الأجسادُ على رصيف الميناءِ تلاحمًا عجيبًا، فترى احتضانُ الأم لولدها، الزوجةُ لزوجها، الصديقُ لصديقه، وبحّارٌ لزميلهِ، في مشهدٍ مليء بكل مشاعر الحبِ والطمأنينةِ والسعادة، لوحةٌ فنيّة مُحيّرة حقًا، كل تلكَ المحبةِ والمشاعرِ تحتاجُ غربةً كي تظهر، تحتاجُ في البدء فراقٌ وعذاب ومشّدةٌ حتى تتذوّق حلاوتها، كم عجيبةٌ هي الحياةُ في تقديرها، كم مدهشةٌ حين تعّلمنا أن الفراقَ قد يكون سببًا في الحبَ، أن الحزنَ والوحدةِ قد تكونُ سبيلًا لأن تعيش يومًا ما حلاوة السعادة والأنس، كم غريبةٌ هذه الحياةُ!

أن يعودَ شخصٌ إلى المكانِ والموطنِ الذي لطالما كرهه بتلك الشهوة وذلك النهم، فيعودُ للقهوةِ التي كان يكرهُ «مِعَّلِمْها» ولكوب القهوة المحروقةِ «الزيادة» التي طلبها في الأساسِ «مَظْبُوطة» ويرتشف منها في نهمٍ شديد لعلبةِ كشري رديء لطالما كان يشكوا من فساده، ليلتهمه في شره ولذة... لينهارَ المنطقُ في صورته، وتنتصرُ الحياةُ في غرابتها، بلا أي تفسير أو معنى!

.ANTARA/Spetianda Perdana

*****

أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 3 أبريل 2020

ألحانٌ على وتر الكورونا.

سألني صديقٌ «متى ينتهي بنا الحال؟ متى نلحقُ بأقدارنا؟»، فلذتُ بالصمت لبرهةٍ وقلت: «لا أعلم!»، لا أدري ما الذي دفعني لأقول هذه الجملة وأنا أعلمُ الإجابةَ الحقيقيّة.

الحقيقةُ الواقعة أصدقائي أنّ لا أحدَ يتصور ولو لوهلةٍ أن القدر سيختارهُ هو! نتسم بالكبِر والتعالي حين يتعلق الأمرُ بنا، لأنّنا نتصور أنّنا متميزونَ، أن الله يُحبنا نحنُ دون خلقهِ، أن الموت سيختار الآخرين ولن يطرقَ بابنا، سيختار بابَ الجيرانِ لأننا نحنُ! نحنُ هؤلاء الذين نَهُمُ، نحن هؤلاء التي أحلامنا ستتحققُّ، نحنُ الوحيدون في هذا الكوكب من نستحقُ الحياة، نحنُ ومن نُحب فقط لا غير.

عقلنا الصغير لا يتحملُ فكرة أنّه واحد فحسب من بين سبعةِ مليارات ونصفِ، أنّه لا يساوي شيئًا من بين هؤلاءِ، أنه أيضًا هناك سبعةُ ملياراتٍ ونصف لديهم حيواتٍ وأحلامٌ وطموحاتٌ يظنون أيضًا نفس الظنِ أن القدرَ بجانبهم وأن العالم يدورُ حولهم وفقط، أن الأحداثَ والأقدار حين تحدثُ... تحدثُ من أجلهم، أنّ العالم يجبُ أن يتوقفَ بموتهم أو بالظلمِ الذي يتعرضونُ له، لكن الحقيقةَ المريرة أن العالم سيجري ويدور وستتوالى الأحداثُ وسيجدُ طريقةً لأن يستمر كما أستمر لملاين السنين.

الحياةُ يا صاحبي ليست من أجلكِ، الحياةُ فيلمٌ كبيرٌ يتسّمُ بالواقعيّةِ التي تهربُ منها لتشاهد بدلًا عنّها الخيال العلميّ وأفلام الكارتون... الحياةُ يا صديقي لا يوجدُ فيها البطل الخارق الذي لا يموت... الحياةُ يا عزيزي هي تُحفةٌ فنيّةٌ بحتة تصيبك فيها السعادة والحزنُ والمرض والعافيّة، حتى تفهم معناها، تلك هي حياتي وحياتُك... نحظى بفرصةٍ لنحيى ثم يحين وقتنا فلا تنتهي ولكن لتبدأ حياةُ أخرى... فرصةٌ أخرى لن نعرفها أبدًا. 

.Camouflage by Alice Wellinger

*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 14 مارس 2020

هوامشٌ على دفاتر العاصفة

في مثل تلك الأوقاتِ العصيبة دائمًا ما نتذكر أننا بشرًا، تتلاشى الطبقاتُ عندما تتحدثُ الطبيعةُ لغتها، نصبحُ بكلِ جبروتنا العلميّ والتكنولوجيِّ رجالَ ونساء كهف في هذه المعركةُ.

ننشدُ ضوء الشمسِ كعُبَّادٍ قدامى على تلةٍ، ننشرُ ذعرنا الكامنُ في نفوسنا على حدٍ سواء، أغنياءًا كنّا أو فقراءٍ؛ نبحثُ عن الماءِ والطعامِ ونبقيهِ نصب أعيننا خوفًا على أنفسنا وعائلاتنا تمامًا كما كان أجدادنا يفعل.

الحقيقةُ بأننا بكل ما فعلنا وحققنا مازالت الطبيعة وغضبها ترهبنا، مازال حلمنا في تذليل الطبيعةِ وترويضها حلمًا بعيد المنال يتلاشى أمام أعيننا يومًا تلو الآخر... 

وعلى الرغم من كل ذلك، على الرغم من وهننا وضعفنا وقلةَ حيلتنا لا نملك سوى أن نكون شاكرين على قوتنا وجلدنا في تحملنا لمثل هذه الظروف العصيبة. على قدرتنا العجيبةِ على المضيَّ في سلام بأقل الخسائر الممكنة، أننا نستطيع رغمًا عن كل شيء أن ننام في راحة بالٍ غير عابئين بالمستقبل وما يحمله لنا؛ لأننا نؤمن بنا وبقدرتنا على المواصلة... ننفض عنّا لباس السوء والضعف والمِحن وننطلقُ لنواصل من جديد. صفحةً أخرى جديدة... يومًا آخر من المثابرة والعمل الجاد... حتى النهاية.


.Christoffer Relander - Man And Nature


*****

أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

سنرحل قبل الفجر.

إنَّ لأشَّد ما يؤلمنا في هذه الحياةِ، ليسَ مُر حيواتِنا، بل افتقادنا للمعنى فيها، افتقارنا لأن نعرف حتى أنفسنا، نضيعُ وسط تسارعِ الكونِ حولنا، يومًا تلو الآخر حتى نكتشف فجأةً أنّنا لا نعرف حتى أنفسنا، نكتشفُ فجأة أن القطار قد فاتنا، أنّنا كبرنا، وشابَ الشعرُ شيبةً، بل وشابَ معه كل شيءٍ حتى أجسادنا صارت مريضةً ولا تقوى حتى على حملنا.

لكنّنا مُتعبون فحسب، متعبون في مطاردة أحلامنا؛ أحلامنا حتى البسيطةُ منها إكتشفنا أنها ليست ببسيطةٍ على الأطلاق، أحلامٌ حين تحسبها رياضيًّا تكتشفُ أنّها تساوي كثيرًا، لكنك تحلمُ على أملٍ بأنّك تستطيع، وببعضِ قفزاتٍ من الحظ والإيمانِ يصلُ البعضُ، يصلون ولكنهم يضحّوا من أجل ذلك بأشياءٍ أغلى وأنفس، يدفعون في سبيل أحلامهم الغربة ثمنًا.

هذهِ هي الحياةُ التي نعيشها بحلوها ومرها، حياةٌ يزينها رجالُ ديننا الشرفاء بالصبرِ والاحتسابِ والأجر ويجمّلها مدربي تنميّة الخرافاتِ بالأساطيرِ حتى تستمر الحياة وتدورُ العجلة، وربما يكون ذلكَ حلًا منطقيًّا فالحلُ الآخرُ هو ثورةٌ يثور فيها هذا الشعبُ المُتعبَ على أوضاعهم. وساعتها لن يكون لكلامهم قيمةً وسينكشفون بأنهم لا أكثر ولا أقلَّ من نصَّابينِ، لاعقي أحذيةٍ.

سألني صديقٌ: «متى وصل بنا الحال لهذا الدرجة؟ شبابٌ ينتحرون بهذهِ البساطة»، قلت: ربما همُ الصوابُ ونحنُ الخطأ بشتى صورة، ربما تكون هذه أشدَّ الأفعالِ اعتراضًا على الواقع، هؤلاءِ بضعفهم هم شهداءُ المعركة وسلاحُ تغييرها، جعل الناسِ يفكرون في معاناةِ واكتئاب أصدقاءهم، أن يربت كل أبٍ وكل أمٍ على أكتافِ أولادهمِ ويقولون لهم أن لا بأس.

يعطوهم الفرصة أخيرًا مراتٍ ومراتٍ، ويتحدث ويجتمعُ الأصدقاءُ القدامى مع أصدقائهم يتحاورون ويتسامرون ولا يرحلون إلّا قبل الفجر ويعم السلام على قلبٍ واحدٍ فقطٍ كان وحيدًا فأصبح له صديقًا يداوي وحدته. بعيدًا عن مزايداتٍ مواقع التواصلِ الاجتماعيِّ وصخبها المؤذي الذي لا يقدِّمُ ولا يؤَّخر.


Bryan Charnley - "The Self Portrait Series".

*****

أراكم المرة القادمة...

الثلاثاء، 2 يوليو 2019

محمد صلاح، الـ«Mentality»، ووهم المعرفة الزائف.

هناك إشكالية كبيرةٌ وهي أنّه في مرحلةٍ ما من حياة الإنسان وأثناء نضجه ومسيرته الحياتية والمهنيّة تتشكَّلُ شخصيّته، وتصرفاته بناءً على شخصهِ وتربيته وبيئتهِ الاجتماعيّة والتعليميّة ومستواهُ الثقافيُّ، وهنا أفصلُ بين المستوى التعليميِّ والثقافة فهما شيئين منفصليّن، لأن المستوى التعليميّ ليس دليلَ نضجٍ على عكسِ ما يتصوره البعض.

نعمُ يمكن أن يكون عاملًا رئيسيًّا وضرورة ولكنّه ليس دليلًا على الثقافةِ والوعي بأي شكلٍ من الأشكال، فنجدُ أطباءً ومهندسين وأساتذةِ جامعة على مستوى ضحلٍ ومنحطٍ في الثقافة والفكر، نجدهم يؤمنون بالتقاليد والعاداتِ والوصفاتِ المنزليةِ أكثرُ من إيمانهم بما تعلَّموه –وعَلَّموه في بعض الأحيان الكثيرة وليست القليلة- في الجامعة والمدرسةِ وفي رسائلِ التخرج وإلخ. 

والإشكاليّةُ الأخرى أننا نجدُ بعض الأشخاص الذين يبدؤون من القاع ويصلون ليصبحوا نجومَ مجتمعٍ وينظرُ لهم الناس بأنّهم قدوةٌ ومثالٌ يُحتذى به، هو أنّه ينكشفُ أمام الناسِ في معتقداته وتربيته وأفكاره سواءًا كانت تقدميّة أو رجعيّةٌ عفى عليها الزمان، تنكشفُ بمقدار نضج الشخصِ ومعرفتهِ، لذا إنكشف لنا محمد صلاح كما رأيتم في الأيام القليلةِ الماضية، انكشف لنا لأنّه صدّر صورة الخلوق ووجدها لا تناسبُ الصورة الأوربيّة والحملات الدعائيّة والإعلانيّةِ فانصرفَ عنها، انكشف لنا رجعيته في دفاعه عن وردة وليس هذا فحسب بل في اختياره لكلماتٍ إنجليزية غير دارجةٍ ليصدّرُ لنا صورة المثقف الواعي المتمكن. 

وليس هذا فحسب وليس هذا سبب اختياري لكلمة مدعي لوصفه، الادعاء الحقيقيّ في رأيي ظهر لنا في سقطته الأخيرة سقطة الـ«Mentality» والـ«School» والتي كشفت لنا ادعاءه للثقافة أيضًا. 

هناكَ خطأ يرتكبه دائمًا حديثي العهد بالقراءة، هو أنّهم يتصورن أنّهم بقراءتهم لكتاب أو إثنين أصبحوا مثقفين وذوي معرفة، وفي الحقيقةِ هذه ليست بمعرفة على الإطلاق، هذا ما يسمى بوهم المعرفة، لأن المثقف والواعي الحقيقيّ لا يتجرأ أن يتعالى، يعلم أنّه مهما قرأ من كتبٍ وتعلّم أن الطريق طويل، لا يتعالى على الناس بثقافته لأن يعلم بعد كل كتاب وبعد كل درسٍ أن العلم والثقافة هي رحلةٌ لا تنتهي وأن تقول أنّك مثقفُ فهذا ادعاء وتكبّرٌ على العلم.


.لازم نمّرن هنا..." - محمد صلاح"
*****

أراكم المرة القادمة...

السبت، 3 نوفمبر 2018

نظرية الطاسة.

مصر هي طاسةٌ كبيرة، تحملنا جميعًا، تقلينا قليًا جيدًا على نارٍ هادئةٍ فننضجُ وتفوحُ رائحتنا فتقدمنا لعائلتها وتتركُ الباقي ليحترقُ احتراقًا، هذا الإحتراقُ يضفي مذاقًا خاصًا على الوجبة التاليّة، نَفسُ المنزل كما يُقال لذلك يسمونه المطبخ السياسيّ، ففيه تُحدد المقادير ونسبتها، فيها يتمُ إختيارُ الشيفِ ونفسه، لذلك تختلفُ الأنفاسُ باختلاف المطبخِ السياسيّ.

فمثلًا أيامُ مبارك كان هناكَ نفسٌ قويٌّ متمرسُ مليءٌ بالهيلِ (الحبهان) فلا نكهةً تعلو فوق نكهتهِ، وتبعه الإخوان بالزنجبيل فبعضُ الزنجبيل يعد مفيدًا إلّا أنّه وكعادة المبتدئ الهاوي أسرفَ في استخدامه وكعادة الطباخين فإنّه يجب على الطباخ أن يتذوّق طبخته، في حالة مبارك ومع تكرار الطبخة وتضائل الاحتمالات تذوق النظام حبةَ الهيلِ وابتلعها، وأما مرسينا فكما تعلمون أن كثرة الزنجبيلِ تسببَ أمراض القلبِ والجهازِ العصبي فلم تحتمل الطبخةُ ذلك أيضًا.

ثم أتى عصرُ الإسبايسي بنكهاته الحارقةِ، والأكثر حرقةً عند هضمها وخروجها، حتى فقد الجميع القدرة على العيشِ بسبب آلام المعدة الحارقةِ وحتى لم يبقى لأحدٍ القدرة على الاعتراض على الحرقةِ هذهِ بسببِ أنهم يعانون من اسهالٍ شديدٍ يستلزم البقاء في المنزلِ حيث يكمنُ الأمانُ في دورة المياه، وهناكَ من الحالاتِ المتأخرةِ من ركنَ إلى الحفاضاتِ لأنّه فقد القدرة على النهوضِ أصلًا فتقبّل الواقع المُسِهل وتعود على الرائحة.

لكن هذا ليس كل شيء للأسف، فللطاسةِ نظريةٌ أيضًا أحبُ أن اسمّيها نظريّة الطاسة، حيث تتعقدُ الأمورُ أكثر من كوننا مكونٌ في الطاسة، يُصبح لكل مكونٍ طاسةٌ أيضًا، نعم لكلٍ منا طاسةٌ ومختلفة في مادتها بعضها سام كالنحاس هؤلاءِ لا أمل في طاستهم، فحتى لو تم ملئها بكل تقدميّة وديموقراطيّة سيسممونها بسمومهم، وآخرون من الستانلستيل هؤلاء يتشكلون كما يطلبُ الشيف ويتغيرون بتغير الشيف ونكهاته، وينبذون ما قبله ويخلعون عباءته في لحظاتٍ وفي غمضة عين.

ومنهم من أذهبَ الوضعُ طاسته، فراحَ يُعمِّرها، فلا شيف ولا هيلٍ ولا زنجبيل، فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ سوى ملكوتها الموقت، لتعود إليه كما الآخرين بتعاقبُ الأزمان.


فقط سباحةٌ فراشيّةٌ لا تعبئ بشيءٍ...

*****

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 23 أغسطس 2018

رسالة - 8#

عزيزتي،

نتأرجحُ في هذه الفانيةِ بين السعادة والألم، بين اليسرِ والعسر، بين الحياة والموتِ، لتمضي أيامنا كالسائر نحو الزمانِ وفي خطواتنا الزمن. نمضي جرحى وفي خطانا الأيامُ، حاضرنا هو وجهتنا وماضينا طعنات في ظهورنا، نحمله على أكتافنا مع ما تبقى من حطام أجسادنا، لنخطو خطواتٍ تكادُ تكون الأخيرة، نلتفتُ حولنا لا نرى سوى مخاوفنا، رماد ذكرياتنا، ودموع ماضينا.

خطوة تلو الأخرى لا مفر، هذا العالمُ قاسٍ حتى في الأحلام، فحتى حينما نحلم تقتلنا أحلامنا، تقتلنا رغبتنا في جعل حياتنا أفضل، تدمرنا رغبتنا في مطاردة السعادة، فيصبحُ سعينا للسعادةَ مصدرًا للألم.

هذا العالمُ كاذبٌ واهمٌ، يكذبُ حتى في إيمانه، يكذبُ في مشاعره وأحاسيسه، يكذبُ في كل ابتسامة، وكل طقس، يعشقُ المظاهر والنفاقْ، ينسالُ بين الخلقِ خيفةَ انفضاحه، فأصبح مجتمعًا مريضًا كاذبًا، كلُ تلك المظاهر وهمٌ، وفي باطن الباطن كلُ ضدٍ.

يبدو أنّها تقترب؛ علامات النهاية، كما تعلمين نحن نتوجه إليّها في ثباتٍ وتأنٍ وبحركةٍ منتظمة وعلى إيقاعٍ رخيم. ستكون نهايتنا نهاية دراماتيكيّة سينمائيّة، حيث سيخترق صوت أجراس النهاية الأفق ونقف في لا مبالةٍ في الظلام وسط الحشود ننتظر الخلاص.

فقدنا كل شيء حتى أحاسيسنا أصبحت مبتذلة، حتى إيفيهاتنا المعهودة صارت ماسخةٌ ثقيلة الظل وكأنها علمت أننا نحتضر، فلم تبذل جهدًا في أن تكون مضحكة. نضيع وسط تسارع الكون حولنا، حتى وإن واكبناه لا نحمل لأنفسنا أي جديد، سوى إسطوانتنا الشهيرة: «كنّا شيئًا في يومٍ من الأيام.».

كل ابتساماتنا، وكل آمالنا تضيع في أعين أشخاصٍ عرفناهم يومًا ما، أقتنصتهم من أمام أعيننا قوىً غاشمة، ولا أمل لنا في خلاص قريب... أحيانًا تنتابني تلك المشاعر بأن هناك أملٌ ما عمّا قريب، في كل ذكرى، في كل رسالةٍ وفي كل حرف.

بعض الناس لا ينام خوفًا من الغد، والغد قادمٌ لا محالة، والنهاية باتت وشيكة، ولعل وعسى ولربما بعدها نُصبح على خيرٍ أخيرًا...

A portrait by Martin Wittfooth.

*****

أراكم المرة القادمة...