الخميس، 28 أغسطس 2025

غايةُ الحرب.

هناك لحظاتٌ فارقةٌ نكون علينا فيها أن نجري حساباتٍ دقيقةٍ حساسة، نضع قوائم الإيجابيات والسلبيات نُصب عيننا وبعينٍ ثاقبةٍ ندرسها... لكنّنا نعلمُ تمامَ العلمِ أين هي قلوبنا من هذه القوائمِ، والفطين من يُحيِّدُ كل هذه المشاعر ليخرج بقرارٍ يتحملُ الشخص فيه تبعاته.

أسهل الأشياء هي الدلو بالآراء في الفضاء الإليكترونيّ، يمكنك القول بأنّك سوبرمانٌ خارقٌ خطيرٌ سَبعُ برومبةٍ لا مثيل لك، لكنّ في الواقع وفي الحقيقةِ أنتَ أعجز من العجزِ سمنةٌ مفرطة ومدمن دوبامينِ أخرق لا تستطيع فيها أصلًا كبح رغباتك وملذاتك ومع ذلك تنشدُ الحربَ لأنّك جاهل أخرق لأنّك تعلم يا عزيزي ويا عزيزتي أنّكَ لن تدفع ثمن هذه الحرب أو ربما تتصور أنّك بعيد عنها.

إنّ انغماسنا في السلمِ لفترة طويلةٍ غيّب عن عقلنا حقيقةُ الحرب ومرارتها... وغايةُ الحربِ في الأساسِ هي ما بعدها... أو وزن المكاسب والخسائر... يعلو في الفضاء الإليكتروني الأحمق دعواتٍ للزج بمصر في حربٍ لا مكاسبَ فيها لإشباع رغبةٍ في العروبة والنضال والقومية الخرفةِ التي لم تكسب مصر منها مثقال ذرةٍ من مكاسب بل خسرت دمائها ولا يجب من مصر أن تدفع ثمن كل شيء في النهاية، لأن من يمول الماكينة الإعلامية للزج بمصر في جملٍ لا قيمة لها مُطبِّعٌ من ساسه لراسه، يريد لمصر أن تفعل كل شيء بدون أن تكسب أي شيءٍ، يريدونها حامية حمى الأمة العربية في الأوقات التي يرودونها أن تكون كذلك وفي خضم الحربِ يريدون أن يحاربون بنا وما أن ننتصر أو نخسر سرعان ما يتضرعون لماما أمريكا أنّهم لا شأن لهم بهذه الحرب.

عزيزي وعزيزتي المصريّ والمصريّة توقفوا عن أن تنساقوا نحو هذه المهاترات، وتذكروا أن من يدعوكم لهذه الدعوات لن يدفع دمًا أو قرشًا في هذه الحرب.

والله على ما أقول شهيد... وأفوض أمري إلى الله.


The tears of war by Giovanni Battista Costantini
******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 29 مارس 2025

زحام النعم

 منذ أيامٍ كنتُ أحمل صغيرتي أحاول أن أجعلها تنام وإِذ فجأةً وبدون سابقِ إنذارٍ دوى صوت انفجارٍ من الشرفة كان الصوت ليس عاليًّا للدرجة التي يمكن القولُ بأنّه كان مدويًّا لكنّي وجدتُ الطفلة تقبض علي كتفي وتضمني ضمًّا شديدًا وعلى الفورِ كنتُ أربتُ عليها ربتًا لتهدئتها، غمرني الغضبُ من هؤلاء الأطفال الغير مسؤولين الذين يشعلون تلك الصواريخ ولكن تعلمون شهر رمضان وفرحةُ الصغار بمثل تلك الأشياء البسيطة، هممت غضبًا نحو الشرفةِ لأعنِّفهم لكن غمرتني رغبةً في الحزن والبكاء، تذكرت مشاهد القصف والصواريخ، مشاهد صغارٍ بين أكوامِ الركام، رُضَّعٌ فقدوا أطرافهم، وأيقنتُ أننا نسلِّمُ لأشياءَ بسيطة؛ أشياءٌ نعيشها فنسلِّمُ بوجودها كيقين الحياةِ والموت أشياء بسيطة كالنومِ في سلامٍ ولقمةِ عيشٍ بجبنٍ نأكلها مع كوب شايٍ صباحًا، نحن في زحامٍ من النعم، ولكنّنا لا نعلم قيمة الأشياء حقيقةً إلا بفقدانها.

هي لحظاتٌ للتأمل وليست دعوةٌ خسيسةٌ منّي لحمد الله على أوضاعنا الاقتصادية السيئة، بل دعوة لحمد الله على كل شيءٍ ودعوة لاستذكار أهالينا في غزة وألا تعتاد أعيننا على المذابح الصهيونية الخسيسة.



Fear painting by Natalia Marinych


******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 20 سبتمبر 2024

الزنّانة

مضت فترةٌ طويلةٌ وأنا بعيدٌ عن الكتابة، اليومَ خطر ببالي أننّي أقلعت أخيرًا عن هذا الإدمانُ اللعين؛ أن أكتب فتنكشف أفكاري للناس وأفعل ذلك بكامل إرادتي، إدمانٌ لعينٌ حاولت أن أقلع عنه ولكن كل مرةٍ أفشل في هذا، وكأن هناك سببٌ ما، مرضٌ أو فيروسٌ لعين، ربما تلك الحقيقة أنّي مريضٌ وأحتاجُ لعلاجٍ ما!

لكن لا بأس، دعني آخذك في رحلة...

سماءٌ صافيةٌ هادئةٌ وسكونٌ تامٌ وكأن الكون في اللحظاتِ التي تسبق إسرافيل ونفخه في الصور – بوق يوم القيامة – يقطع كل هذا طنينٌ مزعجٌ في بلدةٍ كتُب عليها الجهادُ، مِن فُهوة نفقٍ يصعدُ ملثمٌ يحمل (أر – بي – جي) منتظرًا هدفًا أو موتًا مُحقّقًا، هذا الطنينُ يعرفهُ المجاهدُ ولا يَجهله ولكنّه اعتاد سماعه وحسب، فلم يُلق له بالًا... ولكن الطنينَ كان يتبعه ويراقبه عن كثب... حام وحام الطنين الذي يُولدٌ على صوته أهل هذا الوطن ويطلقون عليه «الزنّانة» وهي الطائرة بدون طيّار لمن لا يعلم... كانت الزنّانة تتبعه وتراقبه من الفوهةِ حتى بدأ مُحرّكها بفتح النار...

لم تنجح «الزنّانة» في قتله لكن حسرةٍ ما تطارد هذه الروحُ حتمًا لأنّها تعودت على الصيدِ وتكبيد الخسائر للعدو، سيعود حتمًا هذا المجاهد من فوهةٍ أخرى لينال مراده وليضع الأمور في نصابها للمرةِ الأخيرة أو ربما مراتٍ ومرات بعزيمة لا تنكسر أبدًا.

هذه الحكاياتُ التي لا تنتهي ترسمُ لوحةً فنيّةً للمشاهد أن لا شيء يمكنه كسر عزيمة مؤمنٍ أبدًا وأن الأفكار لا يمكن وأدها... قد تستطيعُ حبسها لكن أبدًا أبدًا لا تستطيع قتلها.

Abstract Landscape of War - AI Generated


******


أراكم المرة القادمة...

الأربعاء، 6 مارس 2024

غطرستنا...

 تساءلتُ هذهِ الليلةِ عن سبيلٍ لحالاتِ الأسى التي لا تنتهي، عن الحالِ الذي وصلنا إليهِ، عن دماءٍ لا تتوقف عن النزيفِ وكل ما نملكهُ هو أملٌ ودعاءٌ نشدوا ونتشدّق بهِ كل ليلةٍ، مُضطرين سائلين المولى عز وجل أن يُنصفنا ويثأر لنا... داعينَ: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ».

فهل من سبيلٍ حقًا سوى الدعاء؟ يَخشى المرءُ أن يكون هناكَ سبيلٌ آخر لذلك حتى لا نُأثم، هناك سُبلٌ حتمًا ولكننّا نأباها ونرفض تصديقها، كهذا النصُ الذي تقرأهُ الآن على منصةٍ تدعمُ الاحتلال وتقول ذلكَ صراحةً وبعلنيةٍ في تحدٍ لنا واختبارٍ وما أشدّهُ من اختبار؛ اختبارٌ لضعفنا وخوائِنا وفراغِنا وهشاشةِ مواقفنا التي تفضحنا كل مرةٍ في سبيل لقمة العيشِ ونمطِ حيواتِنا الذي نأبى تغييره، نفاقٌ شديدٌ يتبيّنه الفطينُ الذي يعلم بواطنَ الأمورِ؛ يعلمُ بأننا نخسر كل حربٍ لأننا لا نحارب أبدًا، ندخل الحرب بأسلوبنا وعاداتنا الشرقيةِ بالعنترياتِ والخطابةِ، التي والله ما قتلت نملةً أو ذبابةً تمامًا كما قال «نزار قباني»:

«إذا خَسِرنَا الحَربَ لا غَرَابةْ
لأنَّنَا نَدْخُلُهَا... بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ الشَرْقِيُّ مِنْ مَواهِبِ الخَطَابَةْ
بِالعَنْتَرِيَاتِ التِي مَا قَتْلَتْ ذُبَابَةْ
لأْنَّنَا نَدْخُلُهَا... بِمَنِطِقِ الطَبْلَةِ والربَابَةْ»

فدعُونا نطبِّلُ على وقعِ الصواريخِ والقصف كعادتِنا بينما يُجاهدُ الآخرونَ حق الجهادِ ونقفُ نُصفّق تارةً ونجلس لنُوَلولُ تَارةً أخرى، يومًا بعد يومٍ حتى يأتي دورنا للقصفِ والموتِ، لنستلَ أسلحتنا ونخرجَ نُقاتل كما يجبُ أن نقاتل الآن لكن هذهِ المرة سيكونُ القتالُ خيانةً لكلِ مبدأٍ لأنّه ليس بقتالٍ من أجل القيم التي ندّعي بل دفاعًا عن الذاتِ والأهلِ والأقارب والوطن، قتالٌ نبيلٌ لا خلاف! ولكنّه يُثبت خَواء وفراغِ شعاراتنا التي لا تستلُ سيفًا إلّا بغطرسةِ الأنانِّي الأبلهِ الذي لم يدرك الألم حقًا إلا حين مَس أهلهُ وذويهِ. فويلٌ لنا ثم ويلٌ من غطرستنا الأنانيّة.

Kirk Dijamco-A lesson in hubris


******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 2 فبراير 2024

«مانيفيستو» بدون حروف

سيحينُ الوقت، لأن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، أو من حيث انتهينا نحنُ، رافعينَ رؤوسًا لا تنحني، وبوجوهٍ آمله تستنشقُ نسيم الحريةٌ وتأبى زفيرهُ أبدًا.

من نحنُ وإلى أين سننتهي؟ سؤالٌ أبديٌّ وسرياليٌّ كأعجوبةِ الخلقِ والكونِ... نحنُ الحطامُ الذي لا يُمكن إعادةُ تدويرهُ، نحنُ الضررُ الجانبيُّ في الحربِ والسلمِ، نحنُ نسمةٌ في تعدادٍ تائهٍ بلا سببٍ وبلا أي وجهةٍ وبلا أي تقديرٍ، نسيرُ في تيهٍ وظلامٍ لا يتبعه أي بارقةٍ أملٍ أو نورٍ، مساءٌ لا ينتهي بنهارٍ، نتخبطٌ فلا وجودَ لأيِّ نظام.

هل نحن السببُ أم المُسبِّب؟ هل نحنُ الرصاصةُ في الانطلاق أم نحنُ إصبعِ مُطلقها، أم نحنُ الصدأٌ الذي يجعلُ الرصاصةُ تَعلقُ كل مرة لحظة الانطلاق؟ أم أنحنُ الإجابةُ لهذا السؤالِ وكل تلكَ الأسئلة؟

والحقيقةُ يا صديقي ببساطةٍ أننّا من تستغرقنا التعاريفُ والأسئلة بدلًا عن البحث عن الإجابة؟ نحنُ هؤلاء الذين لا يعرفون ماذا يريدون، ولا يفعلون شيئًا لكي يعرفوا... نحنُ يا صديقي «مانيفيستو» بدون حروف، بيانٌ بدون قائدٍ ولا جمهور، إرادةٌ بدون بشرٍ، وأملٌ بلا أي مستقبلٍ.


Photomontage by Raoul Hausmann

******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 5 يناير 2024

تسارع العالم الجديد

سيحينُ الوقت دائمًا لنراجع قراراتنا، لنجلس ونُفَّكر ونتناقشُ مع أنفسنا أولًا في وسطِ تيهٍ لسنا عالقين بهِ وحدنا نحن بل سادَ العالمَ كُلَّه في وسط تسارع العالمِ الرهيبِ الذي صار للإنسانِ فيه ليس سوى فخٌ ومِصيدة!

نعيش الآن في حقبة غيرُ مفهومةٍ وغير معقولةِ يتساوى فيها الممكنُ والمستحيلُ يتساوى فيها الحقُ والباطل، نكذبُ ونُكذِّب المنطق أحيانًا حتى نكون صوابيِّن نحنُ ندرك الحقيقة تمامًا ومع ذلك لا نجهر بها خوفًا من سلطةٍ ومفاهيمَ صنعناها بأيدينا نحن، صنعنا الأغلال لنتقيّد بها ونقيّدُ بها الآخرين حتى صارت المزحة التي كنّا نسخر منها ونحنً صغارًا حقيقةً كيف لكفَّار قريشٍ أن يصنعوا صنم عجوةٍ وحين يجوعون يأكلونها!

نحنُ نتطرَّفُ كل يومٍ في أفكارنا... ليس رغبةً منَّا في التطرف في حدِ ذاته ولكن لأن هذا أصبح سمةَ العصرِ والوسم الدارج، هذا العصر سمته "التسامحُ والإنسانية" فنحنُ نتطرف ونغالي في نصرة أي أقليةٍ من أي نوعٍ -جزءٌ صحيح- ولكن في نفسِ الوقتِ لا نهاجمهُ ونعفيه من أي مسؤوليةٍ بل ونذهبُ لنقدِّسه ونجعله غير قادر على الخطأ في الأساس... نتطرف مزايدةً وغلوًا في كل شيءٍ حتى أصبحتَ لا تجرأ على قولِ مفاهيمٍ بسيطة كالسمنةِ بل تذهب لأقصى الحدود بحثًا عن مسمياتِ أخرى أكثر "لُطفًا" كـ"ممتلئٌ (جميلٌ.. رائعٌ... واثق)!".

لا أفهم حقيقةً سر ذلك ربما النيةُ هي عدم التنمر لكن الوضع أصبح بأننا لا نستطيع حتى تسمية الحقيقة من الخيال، ربما هو تطرفٌ غير طبيعيٍّ للأفكار وربما في المستقبل سنحذو حذو (جورج أورويل) في رواية 1984 ونلغي أي كلمةِ تسببُ حزنًا لأي شخصٍ فيصبح معجمنا لا يحمل كلماتٍ مثل (حرب، عاصفة، حزن، سوء كرب، هم، فقر) أو ربما (أصلعًا، سمينًا، نحيفًا)!

أو ربما نستيقظ و "يحينُ الوقت دائمًا لنراجع قراراتنا، لنجلس ونُفَّكر ونتناقشُ مع أنفسنا أولًا في وسطِ تيهٍ لسنا عالقين بهِ وحدنا نحن بل سادَ العالمَ كُلَّه في وسط تسارع العالمِ الرهيبِ الذي صار للإنسانِ فيه ليس سوى فخٌ ومِصيدة!"


Brave New World 07 - Ian Young

******


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 25 ديسمبر 2023

حان الوقت...

تتشابكُ الحروف في الذهنِ وتعلق الكلمات فيهِ حين أحاولُ الكتابة؛ تمتزجُ المواضيعُ وتتشابكُ في مخيلتي لتخرج على هيئة قصاصاتٍ! ولكنها تنطلقُ بغتةٌ وكأنّها رصاصةٌ طائشةٌ خرجت من فوهةِ بندقيّةٍ حذرة لكنها ستنفجرُ لتخرج كما تخرجُ دائمًا لعلّها تصيبُ صلب الحقيقةُ وكأنها تعلم بأن لا سبيل إلّا أن تنفجر وتُفجِّر!

مضى وقتٌ طويلٌ على هوامش العودة، ولربما حان الوقت لتلك الهوامش لتعود مجددًا!

Resurrection - Mark Heine


******


أراكم المرة القادمة...
 

السبت، 4 نوفمبر 2023

وأفوّضُ أمري إلى الله.

سأكتبُ هذه الأوراقُ في أوقاتٍ عصيبةٍ نمُر بها جميعًا وقلوبُنا ثكلى تتمزّق بفعل الصور والمشاهد التي تنهالُ علينا على الشاشاتِ، سأكتبُ هذا النص وسأتركه لمن يمُر عليهِ وأنا غير عابئٍ بما ستقوله أو ستظنّه لأننّي سأكتبُ ما أشعرُ به ليس باندفاعِ الشباب الحماسيِّ، ولكن بموضوعية العاقل الذي لا أدعيها لأسأل السؤال الذي يجولُ بخاطرك وتخشى سؤاله... «ماذا بعد كل هذا الألم؟»

حام هذا السؤال بخاطري البارحة، فلم أجدُ له إجابةً وأنا أشاهد مشاهد القصف الفاجر للقطاع، ماذا نريدُ وماذا سنستفيدُ في ظل نُظُمٍ لا تُقدِّمُ ولا تؤخِّر، ماذا سنكسبُ والواعي العاقل يعلم بأنَّ كل هذا سيتوقف وسيجلس الجميع على طاولة المفاوضات كما يجلسُ الجميعُ ليس تعاليًّا على من يجلس ليتفاوض والعياذ بالله، وإنّما لأنّ هذا هو الواقع أنّك تحاربُ لتجلس وتتفاوض... أردتُ أن تسأل نفسك هذا السؤال معي لنتشارك؟ لتسقط في بحرِ المجهولِ معي وستضع في بالك أيضًا كما أضع الآن معك نبل القضية وقدسيتها بالنسبة لنا جميعًا.

حين نحاربُ يجبُ أنّ نضع في بالنا الأضرار الجانبية التي تقع وستقع! إن الأضرار الجانبيّة من اليقين الأزليّ للحرب أيًّا كان شكلها أو وقتها، هي حقيقةٌ أبديّةً يعلمها حتى المدنيون الذين لم يحملوا أبدًا سلاحًا أو رأوا حربًا، ولا تأخذك الحماسة صديقي لتذهب لتسيء الظنَ بي بطرحي هذا؛ لأنّني أعلم بأن هذا ما يجول بخاطرك الآن، وصدقني إن كنت أنت من يسأل هذا السؤال ستأخذني نفس الحماسة وبنفس الدرجة لأستبقُ سؤالك: «ماذا تقصد بهذا؟» ظنًا وجورًا وعدوانًا بأنني أضع لومًا على المقاومين في هذا البلد الأبيّ الصامد، بل أقول بكلِ صدقٍ أن هذه الحرب ستتوقف إن عاجلًا أم آجلًا وأنه يجب أن يقف الأخيارُ على ناصيةِ المنطق ليجروا بعض الحساباتِ لأنَّ الخاسر الوحيد في الحروب التي على هذه الشاكلة هي الشعبُ وأنّ الثمن الذي يدفعه هؤلاء الأبطالِ العُزَّل الآن هو ثمنٌ غالٍ يجبُ أن يُوضعُ في الحسبانِ.

أيًّا كان الثمنُ الذي تنتظره المقاومةُ من تلكَ الحربِ لا يُقارنُ بكلِ صدقٍ بما يحدث الآن ولن يتوقف، والرهانُ الذي تتخذه المقاومة الآن يجبُ أن يكون مدروسًا جيدًا، ونقول هذا بهواننا وقلة حيلتنا التي تكتبُ هذه النصوصِ وتتخذ إجراءات لا تُثمن ولا تُغني من جوعٍ، من مقاطعةِ لمكملاتٍ ترفيهيةً نُصرةً للقضية أو بأحرفٍ حزينةٍ بائسةٍ لا تملك شيئًا ولا تقدم أو تؤخّر، يجب أن يكون لكل هذا حدًا ليس باستسلامٍ للواقع الذي يخبرنا كل مرة أنَّ النصر الذي سيحدث لن يحدث في هذا الوقتِ، لن يحدث إلّا بحربٍ شاملةٍ يشارك فيها كل مسلمٍ، حربًا تقوم بعدها ساعتنا وساعة هذا الكونِ البائس أخيرًا ويكونُ فيها الخلاص نهايةً لكل ألم ولكل ذنبٍ ولكل قطرة دمٍ لطفلٍ وسيدةٍ تسقط في رقبة كل عربيٍّ ومسلمٍ.

أما هذه الحرب ومثيلتها هي حروبُ ارسال الرسائل والاستنزاف التي يجبُ أن تكون محسوبةً، لأنّ المعارك الغير محسوبةٍ خاسرة دائمًا وأبدًا! ونرى ذلك رؤيا العين في نفس الحرب على الجانب الآخر الداعر في فشلِهِ كل مرة في معركته الغير محسوبة وهي التوغل البريِّ، واعتبروا يا ألو الألباب... ستنتهي هذه الحربُ يومًا، وعندما تنتهي أدعوك أن تعيد قراءة هذا النص لتعلمَ أننّي لم أكن أبتغي شيئًا غير الخير وليس بعنترياتِ العامةِ التي لا تقتلُ ذبابةً هذا وأفوّضُ أمري لله.

Le mal de mer (Seasickness) by René Magritte

******


أراكم المرة القادمة...
 

الأحد، 15 أكتوبر 2023

الحقيقة الضائعة

يحضرني أننّي ذات مرةٍ جلست مع بعض الأصدقاء على أحدِ المقاهي الشعبية في وسط البلد عامِ 2012 وأخذنا نتحدث بشغفِ الثورةِ الأول عن مصر المستقبلِ ورؤيتنا لمصر عام 2030، كرؤية موضوعيّة أن يستلزم للوطن على الأقل خمسة عشر عامًا لأن يكون على الطريق الصحيح، تاركين الأحلام الواهية لمعظم الرموز الذين كانوا رموزًا على الجانب أو بالأحرى بالتعبير الشعبي: «بوسه وحطه جنب الحيط».

كان على رأس النقاش ذلك اليوم القضيّة الفلسطينية، وما جعلها كذلك هو تلك الدعوات وقتها وكانت تسمى «بالزحف للأقصى» في ذكرى النكبة وأشتد النقاش الذي لا أدعي أنّه كان موضوعيًّا بشكل كامل، فمعظمنا كانت تدفعه العواطف والهوية في الأطروحات، اختلفنا كثيرًا وعَلَى الصوت وتمسّك كلٌّ منا حتى ساد الصمت كأنّ صوت عمر سيلمان أوقفنا وقال: «Egyptian people are not cultured enough for democracy!» ساعتها فقط تعلمتُ كيف تضيع الحقيقة! ورأيت ذلك تأكيدًا وبرؤى العين يومها وبعدها بعد توالي الأحداث.

تضيعُ الحقيقة بين طرفيّ الحوار والنزاع، تضيع بكل كلمةٍ وبكلِ حرفٍ وبكل تأويلٍ بقصدٍ أو بدون، تضيع وتختفي بتقلّب الأزمان وبتقلّب المنفعةِ، وحتى بتبادل الأوضاعِ والكراسي، نشاهد اليوم والأمس كيف يتم تشويه الحقيقة التي تختلفُ باختلاف الرواية والشاشةِ بخيرٍ وشر يتبدّل بتبدّل الرواة وباختلاف الصورة والقصص التي تحكيها وكذلك باختلاف اللغة وباختلاف القصد، فلا نتوحد في روايتنا التي نؤمن بها ونعيشها بكل مشاعرنا وهويتنا بيقيننا الراسخ الذي لا ندعيه فنذهب به إلى إنسانية الغرب التي ليست بإنسانية، وهم أوربا الذي ترعرع في مخيلاتنا وفي عقولنا بفعل ماكينة إعلاميّة لم تكن أبدًا في صفنا أبهرتنا كالقرويُّ الذي أبهرته أضواء المدينة؛ تشبعنا به بهونٍ فأصبحت معاييرهم هي اللعبة التي نلعب بها، ونسينا كما ننسى دائمًا أن تلك المعايير هي معايير وضعها الغربيُّ للغربيُّ يُحدِّثنا بها تكبرًا وحين يتعلقُ الأمر بنا فتلك المعايير تمسحُ بممحاة وكأنّها لم تكن، فلم تكن أبدًا لنا في أبو غريب وفي أفغانستان وفي سوريا وفي اليمن وفي مصر وفي.. وفي...

ومع ذلك ننبطح في قيم الغرب الذي ينشدونا دائمًا حين يُقتلون، وعندما يكونون القاتلين نصبح كما نصبح دائمًا إرهابيين نستحق القتل... فتذكر عزيزي المنبطح المنبهر أن تلك المفاهيم لم ولن تكن أبدًا لك، وصدقني بمعاييرٍ صادقة يقوم بها شخصٌ يتوسط النزاع بدون أي ميلٍ أو زيغٍ سنكون دائمًا على الدوام نحنُ العربِ الأكثر إنسانية على مر التاريخ.

وفي النهاية أحب أن أتوجه بعميق شكري وتقديري لمشهدٍ لا يغادر تفكيري كلما رأيتُ منبطحًا على المنصاتِ هو مشهدٌ أبدعه المخرج والمؤلف محمد أمين في رائعته «ليلة سقوط بغداد»... والله هينضفونا!

والله هينضفونا - فيلم ليلة سقوط بغداد
******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 2 سبتمبر 2023

هوامش في الملل والدوبامين

نعيشُ هذه الأيام أسوء الفترات على مر التاريخ، حيث تنعدم الحياةُ عن الحياة، نفقدُ إحساسنا بالبهجة والمتعة في عالم يعاني من فرط الملل، وأعلى نسب الاكتئاب على مر العصور، رغم التقدم العلميّ والتكنولوجيّ نحن نشعر بسعادةٍ أقل! هل تتصور عزيزي القارئ أنّك كشخصٌ عاديّ مُرَّفه أكثر من إمبراطورٌ من العصور الوسطى! حيث تنعم بماءٍ نظيفٌ، مساكن تقيك برد الشتاءِ، لا تزرع ولا ترعى ما تأكل!

إن الإنسان المعاصر بشكلِه الحاليّ برغم ما نجح في الوصول إليّه من رفاهية الحياة هو أقل حزنًا وأكثر كآبةً وأقلُ إقدامًا على الحياة وذلك لسهولة وصوله للمتعة وفرط إفرازه للدوبامين وهو الهورمون الذي يفرزه جسدك ليعزّز من شعورك بالسعادة!

تخيّل صديقي أن الإنسان الأوّل عندما كان يخرج بحثًا عن صيدٍ ويمضي نهاره كاملًا في العراء كي يصطاد قوت يومه، هذه المعركة وهذا الجهد عندما يتحقق ويرجع بصيده لكهفه ليشوي قوته ويأكله، ساعتها فقط كان جسده يفرز الدوبامين! أما الآن أنت تلتقط هاتفك فحسب لتصلك شطيرة البرجر إلى بابك وقتما شئت وأينما كنت! ليفرز جسمك نفس الهرمون وأنت تستمتع بالشطيرة، هنا المفارقة ولُب المشكلة نحنُ نخسر كل يومٍ حيوتنا نخسر المتعة ونخسر المعنى منها!

ماذا يمكننا أن نفعل؟ بادئً ذي بدء حاول بقدر ما تستطيع أن تعتزل منصات التواصل الاجتماعي فهي لُب المشكلةِ وأساسها! بقدر ما تستطيع قدّر كل شيءٍ من حولك، كوبُ الماء، كوب الشايِ وكوب القهوة، لا تفرط وكن على قدر ما تستطيع ذلك الإنسان الذي يُقدّر النعمة ويرضى!

HEAD ON FIRE by Amr Ismail

******


أراكم المرة القادمة...

الجمعة، 18 أغسطس 2023

البحث عن الحقيقة.

الحقيقةُ تتجلّى في لحظة ما، تنبعثُ من بواطن الأمور كصفير أبريقِ شايٍ لحظةُ الغليانِ، لا تظهرُ بفعلها ولا لأنّها تريد أن تظهر وتنجلي، هذا ما يُعلمنا إياه التاريخ والواقع، بل تظهر الحقيقةُ بفعل العوامل والظروف وتتكشف برغبة الناس في إظهارها والنبش في التراب لاكتشافها!

في الفترة الأخيرة وقع الجميع في فخ الانتظار ووهنه لدرجة أن بدأ الناسُ يلومون بعضهم بعضًا على أشياء لم يكن لأحدٍ يدٌ فيها أبدًا، في صراعاتٍ وحروبٍ وهميّة نشأت في الفضاء بفعل المجموعات الضيّقة التي تحكم مصيدةِ التواصل الإجتماعيّ، حتى خف بوقها وصارت هي الأخرى ماسخةٌ كعسلٍ أضافه أحمقٌ على إحدى حباتِ فسيخٍ لكسر الطعم.

الحقيقةُ يا صديقي تتجلى عندما ننضج، نعمل، حين نبحث عن لقمةِ عيشٍ، نعلم أصلُ المشكلةِ ونحاول حلّها، الحقيقة تنكشف حين ننضج لأفعالنا، نزن مشاعرنا، ولا نأمل في أكثر مما يمكن أن نحصل عليه، نتقبل الواقع ونتفهّم حدود الخيال، وندع حدًا للأحلام، ساعتها فقط نستطيع المُضيّ بحياتنا قُدمًا، وأن نلقي برؤوسنا على وسائدنا وننام مطمئنين لأنّ في ذلك نعمةٌ لا يدركها إلّا القليلون.

Truth Beyond Reality Navigating the Map of My Mind By oanarinaldi.

******


أراكم المرة القادمة...

الأحد، 21 أغسطس 2022

تعقيبًا على هوامش العودة.

ترهقني كثيرًا كلماتُ الناس حين أكتبُ شيئًا ويتصوّرون أننّي بكتابتي له أننّي أقتنع به أو أشعر به، أضحكُ دومًا في نفسي وأقولُ هل أنا بارعٌ إلى هذا الحدِ تفاخرًا، ثم أشعر بأنّ ذلك الفهم يضعني حيثُ أكره أن أكون في عقول من يتابعُ ويقرأ. وصدقًا لا أريد الخوضَ في الأقوال والنفوسِ التي ما تفتأ أن تقرأ شيئًا حتى تحاول إسقاط ما يدور في رأسها من أوهام ومشاعر وقناعات على الكلمات التي تخرج منّي أو غيري في هيئة نصوصٍ أدبية شأنها شأن الروايات والقصص القصيرة التي يحبكها الكُتَّاب لتظهر في هيئة حوارٍ أو لحظة ضعفٍ أو خيبة أو حتى فرح.

حين نكتبُ نأخذ ما في خيالنا لنصنع به قصصًا متشابكة بمشاعر أشخاصها الخياليّة وهمومهم، ليس شرطًا أن يكون هؤلاء نحنُ ولا من نحكي عنهم، هؤلاءِ أشخاصٌ خياليّة لا يمتون للواقعِ بصلة وحتى لو كانوا حقيقيّن فغرور الكاتبِ دومًا يدفعهُ ليغيّر سماتها وخصالها وشكلها، ليجعلها محبوبةً خيّرةً تجلبُ التعاطف والتفاعل، أو كذوبةً طالحةً بذيئةً لينفروا عنها، وتلك هي متعة الكتابة، أن ترسم بخيالك خيوطًا لتتشابك وتنسج لوحةً فنيّة؛ فنًا للنسيج والرسم بالكلمات! ولا أقصد بذلك تفاخرًا أو قولًا حسنًا لنفسي أو لغيري، فالبراعةُ هو أن تقرأ النص فتشعر به حقيقيًّا أمامك، يمسكُ ويربتُ على كتفيك في حزنك، أن تقرأ نفسك في الكلماتِ، أو تذكرك بموقفٍ ما سعيد، أو حتى تطوف بك تفاصيلها لتذكّر بحلمٍ محبوسٍ بداخلك، أملًا تنتظرهُ أو حبيبًا ترتقبه... أو ربما لترمق الصفحة شذرًا عن انتهائك لتقول: «إيه القرف والسطحية دي!».


 .Jacques de Gheyn II, Young Man Writing His Name


******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 20 أغسطس 2022

هوامشُ العودة.

سألني أحدُ أصدقائيّ المُقرَبين أين أختفيت؟ أين ذهبت وأين ذهب كلماتُك وتدويناتُك؟، يقول هذه الكلماتِ بحزنٍ بالغٍ وإهتمامٍ لم أره أو أسمعه من أحدٍ منذ زمنٍ بعيد. لم أدرِ حقًا ماذا أقولُ؟ وعَجزَ لساني حقًا عن النطق بأيِّ كلمةٍ، وكأننّي لا أدري فعلًا ما الذي أوقفني عن الكتابة؟ هل شقَّت عليّا الدنيا وأخذتني كما تأخذ غيري إلى غيابات مجهولةٍ وإهتماماتٍ مسمومة، أم شَقْ عليّ القول بأننّي لم أجد هناك داعيًا أن أكتبَ!

والحقيقةُ الواقعةُ هي أن الحياة تسير بنا في منعطفات تصعد بنا لتهوي بنا مجددًا تمامًا كما في أفعوانيّاتِ الملاهي وصالاتُ الألعابُ ولكن ليس بنشوتها التي تحبسُ الأنفاس أو بما تعطيها لنا من سرور وغِبطة، على العكس تمامًا نقف على قدمٍ تهالكت نحاول النهوضَ مُدعين أن هذه هي الحياةُ في ترتيبها ونظمها، تُعلمنا وتُهذّبنا!

إن الهوامش التي نخطها هي تعبيرٌ عما يجول في خواطرنا وحسب، عن تجاربنا وبذور الأفكار التي نحاول إنباتها لكن ماذا تفعلُ الهوامشُ في قلبٍ حزينٍ مُرهقٍ أو لا يكترث؟! أي بذرةٍ تلك التي يحاولُ أن يغرسها في وعيِ من يقرأها؟! لا، بل هي عبثٌ مُستترٌ؛ خيالاتٌ ساذجة لشخصٍ آخر يراقبُ الشروق عند تلة وهو يحتسي قهوته التركيّة السادة فيضربه طعمها المرُ ضربًا يوقظهُ في كل رشفةٍ، فيتملّل ويحاول أن يسكبها فيتذكرُ أنّه يحتاجها، ليحل شعاع الشروقِ الأول مارًا بكل شيءٍ حوله إلا هُو، تمرُ شمس اليوم الجديدِ على كل شيءٍ تقريبًا إلا هو، يراقبها فحسب عالقًا في مستنقعاتِ وهمه وآماله.


By: Alexander_Spline.

******
*نص أدبي.

أراكم المرة القادمة...

السبت، 11 يونيو 2022

الأبله الأنانيّ

في بعض الأحيان يدفعنا القدر لفعل أشنع الأشياء أو ربما قولُ أقبح الأشياء لهؤلاء الذين لم يؤذونا قط، نفعلُ ذلك بدون أسى وبدون أدنى تفكيرٍ، نفعلُ ذ لك فحسب لننتصر أو ربما لإشباع غريزتنا في تذوّق طعم الانتصار فقط.

لكن لماذا قد يفعل البشر ذلك؟! التضحيّةُ بكل شيءٍ فقط لإعلاءِ الذاتِ ولو على حساب الآخرين، في هذه الدنيا حياةُ الآخرين ليست بمهمة فقط حياةُ من نعرفهم ومن نحبهم! لماذا؟!

سأخبرك لماذا؟ لأنّنا كبشرٍ مجبولون على الوعيِّ والمعاناةِ، لكنّنا نعي من منظورنا الشخصيِّ فكلنَّا أبطالُ حيواتنا بالضبط نعي كما في ألعاب الفيديو “FPS” - "منظور الشخص الأول" حيث نعلبُ اللعبة أو بالأحرى نعيشُ قصةَ حياتنا والعالم من حولنا يدور عنّا وحسب كل فعلٍ يؤثرُ علينا ونؤثر عليّه سواءًا حين ننتصرُ أو حين نخسر مع الفارق في أنّه حين نخسر في اللعبة نستطيع تكرار المحاولةِ، أما في هذه الحياةِ لا نستطيعُ، وندرك بأن حياتنا هي الأسمى وهي التي تستحقُ دونًا عن الآخرين، فالآخرين هم دومًا الأضرارُ الجانبيّة، فسعادتنا هي المهمةُ في هذا العالم، نجاحنا، فرصتنا للتألقِ، نحنُ لا نأبه لأي أحدٍ سوى من نحبُ. لا نعطي أحدًا الفرصةَ أبدًا؛ لا نهنئ أو نساعدَ إلّا مشهورًا لا يحتاجُ تهنئتنا، لا نفعل ذلك لمن يستحقُ لإرضاءِ غرورنا... عالقون نحنُ في منظور الشخص الأول نضيفُ أوهامًا فوق أوهامٍ برغبةٍ أنانيّة في الفوز والانتصار والنجاح! لكن أي نجاحٍ ذلك! أي فوزٍ ذلك، أذلك الفوز الذي يضعنا في المقدمة فحسب! ربما أصبحَ العالمُ مكانًا أنانيًّا لا يعني فيه غير ذلك! أنسانوي لأبعد الحدود وحيدًا أبلهًا أنانيّا يعيشُ ويتغذى على الزانكس، عنّا وعما هو يفيدنا نحن فحسب!

لكنّنا نحتاجُ الآخرين... نحتاجُ بعضنا بعضًا وستدور الأيامُ لندرك أنّنا مجبولون على بعضنا البعض، أن نعيش سويًّا شعوبًا وقبائل! تمامًا كما فعل الإنسانُ الأول!

"لو أنّك أحببتَ وعشت حبًا...
لن تكون أبدًا وحيدًا!
لو أنّك أحببتَ وعِشت حبًا
سيكون لديك ملاذًا على الدوام!"


Dark by Layers.


******


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 21 فبراير 2022

يوتوبيا البهائم!

يومًا ما ستُشرق الشمسُ على نُسخةِ الأرض التي يُريدها الجميع حيث سيكونُ الجميعُ سعداءً وراضين! كُل حلمٍ قد تحقّق أخيرًا...  الفروقُ وصارت الأرض يوتوبيا أخيرًا، كُلٌ الآن سعيد فقد انتهت سموم العمل... تولد في هذه النسخة ولا يهم أي مجهودٍ ستبذل أو على أيِّ قدرٍ من الذكاء أنتَ! لا يُهم فوظيفتكَ محفوظة ستُنهي دراستك وستقوم البلديّة بتوظيفك وستحصل على الحد الأدنى! سنخلّق لك وظيفة تناسبك، وستتقاضى أجرًا حتى ولو أمضيت وقتك كامله بالمنزل! الغذاء والكسوة والزواج حقٌّ مكفولٌ تصونه لك الأرضُ!

ستعمل نعم! ستعيشُ نعم! ستتزوج! وستمرح! وستكون سعيدًا!

ولكن ما معنى تلك السعادة؟ على قدر ما تحويه الكلماتُ السابقةُ من مفاهيمٍ للسعادة، يتحوّلُ البشرُ فيها إلى أنعامٍ يأكلون ويشربون ويتكاثرون في يوتوبيا للبهائم!

نتناسى دومًا أن البشر مجبولون على الإدراكِ وعالقون دائمًا في المعنى! تفقد السعادةُ ذاتها معناها حين تكون حياتك كلها سعادة، نُدرك أن أحلامنا تلك واليوتوبيا التي نأملها هي لا شيء سوى خزعبلاتُ أفكارنا تخبرنا بأنّنا نستحقُ كل شيءٍ وأن الأرض يجبُ أن تعطينا كل شيء!

نتناسى دومًا بأن نسأل أنفسنا معنى السعادة يجيء دومًا بعد عناء الوصول إليها! وأن معنى السعادة يختلف بإدراكنا في أبسط المواقفِ، فسعادتنا بوظيفةٍ قد يكون على حساب آخرين في كواليس الحياة التي لا نعرفها أبدًا، موتُ أحدهم، أو مرضهم على سبيل المثال!

أو أبعد من ذلك بكثير كما قال سورين كيركجارد: " ماذا لو أن كل شيء في هذا العالم هو عبارة عن سوء فهم؟ ماذا لو أن الضحك في الحقيقة هو عبارة عن بكاء!"


By: Santiago Caruso.


******


أراكم المرة القادمة...

الاثنين، 31 يناير 2022

هوامش - 5#

يحزنني في جيل الثورة أن لا أحد يريد أن يعترف بأن هكذا هي الحياة، أن نُبل الفكرة وعظمة التضحيّة لا تعني بالضرورة أنّه كان الخيار الصحيح! لا يتقبلُ أحدٌ منهم الخسارة ولا يريدون ذلك ولا يرضى أحدٌ أن يعترف بأنّه قد غُرّر به في اللعبة! أستعجب كيف لا يرى البشرُ تقدير الله وتقدير الحياة؛ أنّ الحياةُ والحربُ والحبُ والصحةُ والثورةُ أيضًا لا تكللُ سوى المنتصر... ودائمًا هناك خاسرٌ وأضرارٌ جانبية...

الحياةُ يا أصدقائي من نصيب من يأبى الموتُ! والحربُ للمتشبث بالنصر! والحبُ للعشّاقِ! والثورةُ... لمن ينتهز الفرصة! والسلام على من أدركوا الحياة، وسلامٌ أيضًا على من في طريقهم!


MERIDIAN by Esao Andrews

******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 13 نوفمبر 2021

هوامش - 4#

 في الأوقات الصعبة يتبيّن لنا دومًا معادن البشر، ولسبب بسيط في إعتقادي هو أن الصعاب هي تبرز لنا دومًا معاني الأشياء، لأننا كبشرٍ ضعافٌ حقًا؛ لا يمكننا إدراك مفاهيم الأشياء حتى نقع في نقيضها وضدها، فلا أحد منّا قد يقدر معنى الصحة إلّا حين يمرض، وكذلك لا يدرك البشر أبدًا أنانيتهم إلّا حين تختبرهم المواقف والحياة، ولعّل سذاجة المنشورات التي أقرأها دومًا اثناء تصفحي لصفحات السوشيال ميديا حين يسأل أحدهم جذبًا للناس أيهم تفضل الصحة أم الأموال أم الحب؟! تكون الإجابات دومًا مضحكة لأن الاجابات حين اقرأها دومًا تبدو مثيرة حقًا للسخرية ومؤكدةً لإعتقادي... فيختار كل منهم ما ينقصه، فالصحيح المقتدر يختار ما ينقصه أولًا والمريض يختار دومًا الصحة والفقير يختار الأموال وهكذا، لندرك بذلك أن حجاب إدراكنا يقرر عنّا كل شيء وأن المعنى الحقيقي الذي نؤمن به بعدما تعلّمناه وأخترناه إختيارًا حرًا هو نعم الغاية والمقصد.

The Veil of Perception by Burnell Yow!

******


أراكم المرة القادمة...

الأحد، 7 نوفمبر 2021

هوامش - 3#

من منّا لا يحب القاهرة في المساء؟! بعد خمود الذروة وخمول الشوارع، وضوء القمر ينساب بين أنوار مصابيح الأنارة يرسم الطريق الهاديء الذي كان معركةً من ساعات قليلة. تصيب سكان القاهرة دومًا الدهشة والغبطة ليلًا... لسبب يعلمه جميع سكانها من ضيق وزحام الصباح، حتى البشر نفسهم يتحولون فيصبحون بشرًا غير البشر، في الصباح يسود العبوس وضيق النفس الجميع، وليلًا نقيض كل ذلك وكأنّهم يتذكرون في المساء أنّهم بشر! لكن السير في شوارع القاهرة له لذة يجهلها من لم يذقها! أن تنظر للمباني شامخة حولك في امتداد الطريق حولك، ويدك تحمل حمص الشام تراقب البشر حولك من طلاب وطالبات ناقمين وشباب على المقاهي وأيادي تمتد لتجذب أحبائها وفي هذا اليوم ومثله من كل عامٍ باقاتٌ ورود مخفيّة وعلب حمراء وسوداء بشرائط حمراء وبسماءٍ جميلة ترتقب اللقاء! تبقى تلك الحالة لساعاتٍ قليلة حتى يغادر القمر مبتسًا ليسلّم الراية لشمس تعيد دورة الحياة ومعها دورة القاهرة!

Night Walk in Cairo in Hussein - Ahmedherz


******


أراكم المرة القادمة...

السبت، 30 أكتوبر 2021

هوامش - 2#

في مثل هذا الوقت كل عامٍ تتساقط أمطارُ الشتاءِ على القاهرةِ بإستحياءٍ شديد، بِضعُ أمطارٍ ونسيمٌ نظيفٌ يحظى بهِ سُكَّان هذه المدينةِ، قاهرةِ النفوس وقاتلةُ السلامَ النفسيَّ، لكنّهُ مشهدُ عظيمٌ يحملُ في طيّاته جمالٌ مخفيٌّ ومشاعرَ طيّبةٍ في تهافتِ العُمَّالِ والموظفين رغم الأمطار ووحلِ الطرق، كُلٌّ يسعى ينظرُ للسماء في عبثٍ ويبتسم، قد يرفعُ أحدهم يده ليلتقطُ بعض الأمطار، وآخرون وأخريات تمتدُ يداهم خلف الشبابيك ليلتقطوا نصيبهم من رزقٍ وأحلامٍ ضائعه، معظمهم يتمنون في نظرتهم لمن بالشارعِ أن يكونوا في مكانهم ربما بحثًا عن رزقٍ أو لهوًا كالأطفالِ، ولكن كثيرٌ من هؤلاءِ لا يدركون في نظرتهم أنّ هؤلاء ربما لا يملكون رفاهية الجلوس في الشرف والشبابيك... وهنا تكتملُ لوحة الحياة الفنية في صياحِ سائقِ ميكروباصٍ: "رمسيس! رمسيس!" ومن أعلى في انغلاق الشرفة!

Rain In Cairo - by Dory

******

أراكم المرة القادمة...

الخميس، 14 أكتوبر 2021

هوامش - 1#

كُن مُحبًّا، غيورًا، كريمًا،
صادقَ الوعد صلبًا عند المصاعب.

كن صبورًا، متفاهمًا...
ففي دين الحب ذلك مفتاحُ الطلاسم.

حُبك قِبلتُك، تفاهمك قُبلتُك...
وفي عُمق الليل ربتةٌ وضمةٌ
وتلك أعلى المقاصد!

لكَ فيها حبٌ وأمام ذلك عشقٌ
وفي طياتِ الحبِ بعضُ العقارب.

فتمسكُ بكَ فيها وفيها بكَ
فأنتما في حبكما الشقائق.


First Love  by Leonid Afremov.


******


أراكم المرة القادمة...